باسم الحجاب: إيران تشن حملة منهجية لإغلاق المقاهي، وصاحب سلسلة يُحكم بالسجن 12 عامًا ونصف
ارتفع عدد المقاهي في طهران من نحو 300 مقهى خلال نحو عشر سنوات إلى نحو 4000 مقهى، فأصبحت "فضاءً ثالثًا" يلجأ إليه الشباب للهروب من ضغوط الحياة اليومية. لكن السلطات الإيرانية صعّدت عمليات إغلاق المقاهي بذريعة إنفاذ قانون الحجاب الإلزامي، فأصدرت حكماً بالسجن 12 عامًا وستة أشهر على صادق سعادينية مؤسس سلسلة "سعادينية" التي تضم عشرة فروع، مع مصادرة جميع أصوله، مما أثار مخاوف من حملة منهجية لتدمير فضاءات التواصل الاجتماعي العامة.
أيدت المحكمة العليا الإيرانية الحكم الصادر بحق صادق سعادينية، مؤسس سلسلة المقاهي المعروفة "سعادينية"، والقاضي بسجنه 12 عامًا وستة أشهر ومصادرة جميع أصوله. ووفقًا لما أفادت به إذاعة "دويتشه فيله"، فإن هذه السلسلة التي تمتلك عشرة فروع كانت قد أغلقت أبوابها ابتداءً من 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 تلبيةً لدعوات الإضراب خلال موجة الاحتجاجات الوطنية، ثم وُجهت إليها تهمة "الدعاية ضد الدولة"، فأصدرت السلطات القضائية أمرًا بإغلاق جميع فروعها.
وليست هذه الحالة معزولة. واستشهدت "دويتشه فيله" بإحصائيات منظمة حقوق الإنسان "هرانا" (HRANA)، إذ أفادت بأن السلطات الإيرانية أغلقت في يوم 19 يوليو/تموز وحده ما لا يقل عن سبعة مقاهٍ ومطاعم بذريعة عدم الالتزام بقواعد الحجاب الإلزامي. وأدى إغلاق مجموعة من المقاهي بالقرب من حديقة "ونك بارك" في طهران إلى تسريح ما لا يقل عن 200 عامل. وأشار التقرير إلى أن الاحتجاجات التي اندلعت في أواخر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها أكبر انتفاضة تشهدها إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وأن حملة القمع التي تشنها السلطات على المقاهي تصاعدت بشكل واضح من حيث وتيرتها ومبرراتها، إذ لم تعد حملات الإغلاق تقتصر على فترات الاحتجاج، بل أصبحت مستمرة.
وقال ناصر، وهو صاحب مقهى في طهران، لـ"دويتشه فيله": "أغلقوا مقهاهم بذريعة أنني استقبلت زبائن غير محجبات، لكن ذلك كان مجرد ذريعة. ففي شوارع طهران، تخلت النساء والفتيات فعليًا عن الحجاب الإلزامي، ومع ذلك تطالبنا الحكومة بعدم السماح لهن بدخول المقاهي."
باسم الحجاب.. حملة تصفية في الحقيقة
سبق أن وصفت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، من بينها صحيفة "جوان"، المقاهي بأنها "تجمعات للمحتجين" تشكل تهديدًا لـ"الأمن القومي". وبالإضافة إلى "سعادينية"، واجهت سلاسل أخرى مصيرًا مماثل، مثل "لميز" و"فوريا"، ويملك الأخيرة لاعب كرة قدم إيراني شهير، حيث أُغلقت جميعها بأوامر قضائية بذريعة "الدعم غير المباشر لدعوات الاحتجاج".
وكشف التقرير عن مفارقة لافتة: فقد ارتفع عدد المقاهي في طهران من نحو 300 مقهى في أوائل العقد الأول من الألفية إلى نحو 4000 مقهى اليوم، ويُعدّ هذا النمو المتسارع في حد ذاته، بحسب محللين، استجابة جماعية للمجتمع الإيراني إزاء حالة الأزمة المزمنة.
وقالت سابا علاله، وهي طبيبة عيادية ومحلل نفسي تتابع القضايا السياسية والاجتماعية منذ فترة طويلة، لقسم اللغة الفارسية في "دويتشه فيله": "في هذا السياق، لا يسعى الناس فقط إلى الاستهلاك أو الترفيه، بل يبحثون عن مكان يمكنهم فيه الهروب مؤقتًا من ضغوط الحياة اليومية. ولهذا أصبحت المقاهي بمثابة 'الفضاء الثالث'، أي أنها ليست المنزل ولا مكان العمل، بل هي مكان يقع بين الاثنين، يتيح للفرد التحرر لبرهة من أدواره وضغوطه، وبناء الروابط مع الآخرين، والشعور بأن الحياة لا تزال قابلة للسيطرة."
وأشارت إلى أن المشكلة لم تعد محصورة في قمع النساء غير المحجبات. وأضافت علاله: "عادةً ما تسعى الأنظمة السلطوية إلى التحكم في تدفق المعلومات والتفاعلات الاجتماعية وطريقة تنظيم المواطنين أنفسهم. وأي مكان يتجاوز الإشراف المباشر للسلطة ويتيح للناس بناء الثقة والحوار والروابط الاجتماعية، يقوّض احتكار الحكومة جزئيًا للفضاء العام."
الضغط على "الفضاء الثالث"
وكشف ناصر أن زبائن مقهاه ليسوا جميعهم من الطبقة الميسورة. وقال: "في كثير من أنحاء طهران، يجتمع شباب الأسر من الطبقة المتوسطة في المقاهي، وكثير من زبائننا ينتمون إلى هذه الفئة." وأضاف أن ثقافة المقاهي راجت بشكل خاص لدى "الجيل زد" في إيران، وهو الجيل الذي يتحمل وطأة التضخم الجامح وارتفاع تكاليف المعيشة.
وشددت علاله على أنه بالنسبة للأجهزة الأمنية، حتى مجموعة من الشباب يجتمعون بشكل عفوي قد تمثل بداية لشبكة اجتماعية مستقلة عن هياكل السلطة الرسمية. وقالت: "كلما اتسعت هذه الشبكات المستقلة وترسخت جذورها، باتت الحكومة أكثر عجزًا عن الحفاظ على سيطرتها الحصرية على الفضاء العام." وترى أن حملة القمع ضد المقاهي وزبائنها جزء من مساعي السلطة للحفاظ على احتكارها للفضاء العام.
تحرير "دويتشه فيله": سرينيفاس مازومدارو
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.