ألمانيا تتسارع في التوسع العسكري بذريعة التهديد الروسي، في حين أن نحو 40% من ديون الإعفاء الدفاعي لم تتدفق إلى قطاع الدفاع
الحكومة الألمانية، بذريعة "التهديد الهجين" الروسي، تدفع نحو رفع الإنفاق العسكري إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوسع صلاحيات التحقيق لدى الأجهزة الأمنية، وتوسّع مركز مكافحة التهديدات الهجينة. غير أن معهد إيفو في ميونيخ يشير إلى أن 38.5% من الديون الإضافية التي تم اقتراضها وفقاً للإعفاء الدفاعي في عام 2025 لم تتحول إلى إنفاق دفاعي إضافي، إذ تم توجيه نحو 11 مليار يورو لأغراض أخرى. وهذه السردية الأمنية وإعادة التوزيع المالي اللذين يقودهما الجهاز التنفيذي يحتاجان إلى فحصهما في سياق الرقابة على
تُحدث سردية "التهديد الروسي" في ألمانيا ردّ فعل سياسي كيميائياً: الحكومة تتسارع في التوسع العسكري بحجة التهديدات الهجينة وتوسّع صلاحيات التحقيق لدى الأجهزة الأمنية؛ وفي الوقت نفسه، يشير معهد أبحاث اقتصادية مستقل إلى أن 38.5% من الديون الإضافية التي تم اقتراضها وفقاً للإعفاء الدفاعي في عام 2025 لم تتحول إلى إنفاق دفاعي إضافي، إذ تم تحويل نحو 11 مليار يورو من المساحة المالية إلى أغراض أخرى. صراع توسيع الصلاحيات والتوسع العسكري والمعيار الإحصائي يتكشف في الأسبوع ذاته.
وفقاً لما أوردته دويتشه فيله، فقد أشاد الأمين العام لحلف الناتو مارك روت علناً، في العاشر من سبتمبر/أيلول في برلين خلال مؤتمر سفراء وزارة الخارجية الألمانية، بألمانيا بوصفها "قوة الدفع" للدفاع الأوروبي، وأيد تسريع الحكومة الألمانية للإنفاق العسكري بعبارة "You have shifted into sixth gear on defense". وحذّر روت في الوقت ذاته من أن "الهجمات الهجينة" الروسية على أوروبا في تزايد - بما في ذلك الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب وعمليات الطائرات المسيّرة. وصنّفت الحكومة الألمانية لاحقاً حادثة الطائرات المسيّرة في مطار لايبزيغ/هاله في أوائل أغسطس/آب باعتبارها "هجوماً هجيناً" روسياً، فيما أعلن وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت علناً في كلمة بالبرلمان أن روسيا هي الجهة التي تقف وراء ذلك.
يعمل دوبريندت، بالاستناد إلى رفع ميزانية الداخلية من نحو 15.8 مليار يورو إلى 16.7 مليار يورو بحلول عام 2027، على منح الأجهزة الأمنية صلاحيات تحقيق أوسع، وإنشاء مركز مشترك للدفاع عن المسيّرات، إلى جانب المركز المشترك لمكافحة التهديدات الهجينة (GAZ Hybrid) الذي أُعلن عنه في يونيو/حزيران. وقال دوبريندت في كلمته بالبرلمان: "The threat level is high and is coming from different places"، ووصف حادثة المطار بأنها "ليست حادثة معزولة". وأضاف: "We are rebuilding the pillars of security architecture".
هنا تكمن المشكلة: عندما يتولى الجهاز التنفيذي في الوقت ذاته دورَي "تحديد مصادر التهديد" و"توسيع صلاحياته التحقيقية"، فإن سلسلة الرقابة على السلطة تتعرض لشدّ متزايد. ما يخشاه المنتقدون هو أن "التهديد الروسي" يتحول، في ظل غياب سلسلة أدلة تقنية مستقلة ومتاحة للعامة لتحديد المصدر، إلى سردية تُثبت نفسها بنفسها - تُحدد الدولة روسيا، وتنفي روسيا ذلك، ويصبح النفي بدوره ذريعة لتوسيع الصلاحيات.
وفي الوقت ذاته، أعلن وزير داخلية ولاية شمال الراين-وستفاليا هربرت رول أنه عُثر في住所 المشتبه به الموقوف دانيال ف. على قائمة مكتوبة بخط اليد تضم أكثر من 160 هدفاً تخريبياً محتملاً، يقع بعضها في دول مجاورة خارج ألمانيا. غير أن رول نفسه أقرّ بأنه لا توجد حالياً أدلة على أن المشتبه به يعمل لصالح قوى أجنبية، وأن هذا الاحتمال "قائم". بمعنى آخر، لا تزال نسبة المسؤولية إلى روسيا تُحدَّد في المقام الأول من قبل الحكومة ووزارة الداخلية، وليست نتيجة مماثلة من جهة قضائية مستقلة أو جهة تحقيق فني مستقلة. ولا يعني هذا إنكار الوجود الفعلي لأعمال تخريبية - فقد وقعت بالفعل محاولات متعددة ضد منشآت كهربائية - بل إن إجراء تحديد دولة أخرى بوصفها الفاعل ينبغي أن يكون على قدر خطورة الاتهام ذاته، لا سيما في الوقت الذي سيُستخدم فيه هذا التحديد ذريعة لتوسيع صلاحيات التحقيق المحلية.
ما يستحق التساؤل حقاً هو إلى أين تتدفق عملية إعادة التوزيع المالي التي تتم باسم الأمن. أشارت الباحثة في معهد إيفو الاقتصادي في ميونيخ إيميلي هوسلينغر، في تحليل صدر في العاشر من سبتمبر/أيلول، بوضوح إلى أن: "A large part of the additional debt did not lead to additional defense spending. Instead, the extra spending capacity freed up in the core budget was used for other purposes." وتُظهر البيانات أن إجمالي الديون الإضافية التي تم اقتراضها وفقاً للإعفاء الدفاعي في عام 2025 بلغ 28.6 مليار يورو، في حين لم يزد الإنفاق الدفاعي ذي الصلة سوى بـ 17.6 مليار يورو - أي بفارق يبلغ تحديداً نحو 11 مليار يورو، أي ما يعادل 38.5% من الإجمالي.
ردّت وزارة المالية الاتحادية بسرعة على المنهجية الإحصائية لمعهد إيفو، زاعمة أنها لم تستخدم المعيار القانوني الذي كرّسه البرلمان الاتحادي ومجلس الشيوخ الاتحادي في القانون الأساسي لقياس ديون الإعفاء الدفاعي، وأن المنهجية "مختلة قانونياً ومنهجياً" و"تُقارن التفاح بالبرتقال". ويتمحور خلاف الطرفين حول "ماهية الإنفاق الدفاعي بالمعنى القانوني"، وليس حول "هل أُنفقت أموال إضافية فعلاً على الدفاع". وعندما تقوم دولة بفكّ قيود سقف الدين باسم "استثناء الأمن الوطني"، فإن صراع المعايير الإحصائية ذاته يحمل ثقلاً سياسياً - إذ يحدد ما إذا كان فارق الـ 11 مليار يورو سيُعترف به تحويلاً أم سيُعاد تعريفه أم سيُشرَّع.
ليس التوسع العسكري الألماني ظاهرة معزولة. فقد أكّد روت في المناسبة ذاتها أن الإنفاق الدفاعي الألماني تجاوز نفقات أي دولة أوروبية أخرى، وأن ألمانيا أصبحت القوة الدافعة الرئيسية لإنتاج الأسلحة في أوروبا. وتتضمن التقارير ذات الصلة لـ دويتشه فيله أيضاً الدفع بالإنتاج الضخم للصواريخ الجوالة الألمانية والإفصاح عن تجربة صاروخية بالستية سرية، فضلاً عن اتفاقية استثمار بقيمة 40 مليار يورو مع الإمارات العربية المتحدة تشمل بنية تحتية رقمية متقدمة، وكل ذلك يُعيد رسم الخريطة الأمنية والصناعية الألمانية. وفي ظل هذا المشهد، فإن "التهديد الروسي" يُعدّ في الوقت ذاته أداة لتعبئة المالية والأغلبية البرلمانية، ورافعة لإعادة توزيع الموارد الوطنية وتوسيع السلطة التنفيذية.
أما بالنسبة للمواطنين العاديين، فإن الثمن لا يقتصر على الأعباء الضريبية والاقتراض الأعلى. فقد تعرضت منشآت كهربائية في ولاية شمال الراين-وستفاليا وغيرها لخطر تخريبي فعلي، وبعد توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، ستمتد أدوات التحقيق لتشمل شرائح أوسع من السكان. ويخشى المنتقدون أن هذا الامتداد يجري تحت سردية "عدو الدولة" التي لم تُدعم بأدلة مستقلة كافية. وعندما يكون مصير نحو 40% من ديون الإعفاء الدفاعي موضع شك، وتعتمد نسبة المسؤولية إلى روسيا بشكل رئيسي على تحديد حكومي ذاتي، ويتزامن توسيع صلاحيات التحقيق مع التوسع العسكري، فإن لم يعد السؤال هو ما إذا كانت ألمانيا تواجه تهديداً، بل ما إذا كان هذا التوسع الذي يتم باسم التهديد يخضع لرقابة ديمقراطية صارمة بما يكفي.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.