العالم والأمن

تكاليف إعادة إعمار نيبال تقترب من 5 مليارات دولار، والتعهدات العالمية لصندوق الخسائر والأضرار المناخية لا تتجاوز 720 مليون دولار

وفقًا لما أوردته صحيفة «تايمز أوف إنديا»، أسفرت الفيضانات الناجمة عن انهيار الأنهار الجليدية في نيبال عن مصرع أكثر من 1300 شخص وفقدان أكثر من 5 آلاف آخرين، فيما يقدّر وزير المالية أن تكاليف إعادة الإعمار قد تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار. غير أن التعهدات التراكمية لصندوق «الخسائر والأضرار» العالمي لا تتجاوز قليلًا 720 مليون دولار، في حين لم تتقدّم نيبال بطلب سوى 20 مليون دولار، على الرغم من أن انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري لا تمثل أكثر من واحد من ألف من الانبعاثات العالمية. ويكشف هذا الفجو

1 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

بعد عشرة أيام من دفع انهيار الأنهار الجليدية لكميات من الطين والحجارة الباردة إلى وادي نهري بوتيكوشي وتريسولي، رفعت الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث في نيبال حصيلة الوفيات إلى 1357 شخصًا، بينما لا يزال 5326 شخصًا في عداد المفقودين. وقد تجاوز عدد المنقذين 13.5 ألف شخص. غير أن ما يُقلق كاتماندو حقًا هو فاتورة إعادة الإعمار التي بدأت تتبلور.

قال وزير المالية سوانيام فاغل لوكالة رويترز إن التقديرات الأولية لنيبال تشير إلى أن تكاليف إعادة إعمار المساكن والطرق والجسور والبنية التحتية للطاقة الكهرومائية قد تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، وهو ما يعادل عُشر الناتج الاقتصادي السنوي لهذه الدولة التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 46 مليار دولار. وقد بلغت إحصاءات الهيئة الوطنية لإدارة الكوارث للخسائر المباشرة 2.56 مليار دولار، فيما تحتاج عمليات التعافي الطارئ للأشهر الأربعة المقبلة إلى نحو 53 مليون دولار. ولا تشمل هذه الحسابات بعدُ التكاليف الإنسانية التي يصعب قياسها والمتمثلة في انقطاع دخل الأسر وانهيار سبل العيش وتوقف التعليم الناجمة عن مصرع وفقدان الآلاف.

بالنسبة إلى كاتماندو، يتمثل التحدي في أن الحيز المالي كان قد ضاق بالفعل بفعل الأزمة السابقة. ويُقدّر صندوق النقد الدولي أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في نيبال خلال السنة المالية 2025-2026 قد ارتفعت إلى 49.6%، مقارنة بـ 48.1% قبل عام، في حين لا تزال الحكومة تدير عجزًا ماليًا. ولا تزال نيبال تتحمل ديون إعادة الإعمار الناجمة عن زلزال عام 2015 الكبير، فيما تعرض ما لا يقل عن 11 مشروعًا للطاقة الكهرومائية على طول ممر الطاقة الكهرومائية المتضرر من هذه الكارثة لأضرار، وهو الممر الذي كان يُنظر إليه باعتباره قاطرة للنمو المستقبلي ويحتاج هو ذاته إلى إصلاح.

من بين مصادر التمويل الخارجية، تُعدّ الأداة الأكثر مشروعية أخلاقيًا هي صندوق «الخسائر والأضرار» الدولي. وقد نشأت هذه الآلية من مطالب طويلة الأمد للبلدان النامية الهشّة: إذ ينبغي أن يتحمل المسؤولون عن الانبعاثات تمويل الخسائر الناجمة عن الأضرار المناخية. وقد أُنشئ هذا الصندوق في مؤتمر المناخ الأممي الذي عُقد في شرم الشيخ بمصر عام 2022، وبدأ العمل رسميًا في مؤتمر الأطراف COP28 في دبي عام 2023، حيث يديره البنك الدولي بشكل مؤقت. غير أن صحيفة «تايمز أوف إنديا»، استنادًا إلى بيانات، أشارت إلى أن التعهدات التراكمية للصندوق حتى مؤتمر الأطراف COP29 في عام 2024 لم تتجاوز قليلًا 720 مليون دولار - وهي تعهدات طوعية لا تُشكّل التزامات إلزامية.

في مواجهة ما يقل عن 0.1% من الانبعاثات العالمية لغازات الاحتباس الحراري الصادرة عن البلاد وأثر الكارثة الشديد، تقدّم وزير الخارجية النيبالي بطلب رسمي إلى الصندوق بقيمة 20 مليون دولار. وحتى لو قُبل هذا الطلب بالكامل، فإنه لن يمثل سوى جزء ضئيل من فاتورة إعادة الإعمار المحتملة. وهنا تكمن المشكلة: إذ توجد فجوة بمقادير هائلة بين حجم أموال صندوق الخسائر والأضرار والاحتياجات الفعلية للبلدان الهشّة.

وتبدو صورة المعونات الثنائية أكثر ضيقًا. فالتعهدات الإغاثية الطارئة المعلنة تشمل 5 ملايين جنيه إسترليني من المملكة المتحدة (نحو 6.8 مليون دولار)، ومليون دولار من كوريا الجنوبية، فيما رفعت الولايات المتحدة تعهدها من 500 ألف دولار في البداية إلى 3.6 مليون دولار. وقدمت الهند أكثر من 68 طنًا من مواد الإغاثة وأفراد الإنقاذ. كما قدمت اليابان وأستراليا وألمانيا وقطر والإمارات العربية المتحدة والصين وكندا وغيرها من الدول الدعم، غير أن وزارة الخارجية النيبالية لم تنشر حتى الآن قائمة موحدة. ولم يتجاوز نداء الاستجابة الإنسانية الذي أطلقته الأمم المتحدة وشركاؤها الإنسانيون لمدة أربعة أشهر 49.6 مليون دولار، يستفيد منه 84 ألف شخص. ووافق بنك التنمية الآسيوي على منحة طارئة بقيمة 5 ملايين دولار. ويظل مجموع هذه الأرقام دون احتياجات إعادة الإعمار البالغة مليارات الدولارات بفارق هائل.

ويُقدّم زلزال عام 2015 إطارًا مرجعيًا للمقارنة. ففي ذلك العام، أدت الخسائر المادية البالغة نحو 7 مليارات دولار إلى تعهدات دولية بإعادة الإعمار بقيمة نحو 4.1 مليار دولار، حيث تعهد البنك الدولي وحده بما يصل إلى 500 مليون دولار. غير أن نقطة انطلاق الدين في نيبال كانت آنذاك أقل بكثير مما هي عليه الآن، مما يجعل «شكل» التمويل الخارجي أهم من «حجمه». وبالنسبة إلى كاتماندو، فإن الأكثر جاذبية هو المنح التي لا تحتاج إلى سداد، والقروض بشروط ميسرة للغاية - وليس القروض التجارية التي من شأنها زيادة أعباء الديون. ومع ذلك، وفي ظل المناخ العالمي الحالي للمعونات، فإن مدى تحقق هذا المطلب يظل غير مؤكد.

ويُتيح خيار السحب المؤجل لمواجهة الكوارث الكبرى (Cat-DDO) الذي وافق عليه البنك الدولي في عام 2024 والبالغ 150 مليون دولار سيولة طارئة. غير أن أعمال إعادة الإعمار ستستمر لسنوات، وما يتطلبه الأمر هو التزامات جديدة وليس أدوات طارئة. وقد بدأت مجموعة من سبعة أعضاء تابعة للجنة المالية في البرلمان النيبالي تقييم الأثر الاقتصادي للكارثة وكيفية الربط مع قنوات التمويل المناخي في 9 سبتمبر/أيلول، على أن تُقدّم تقريرها في 18 سبتمبر/أيلول.

ويُقدّر البنك الدولي أن نيبال ستحتاج إلى 474 مليار دولار من الاستثمارات في مجال التكيف المناخي خلال الفترة بين 2021 و2050. وهذه الأرقام تفوق بكثير فاتورة إعادة إعمار الفيضانات الحالية، لكنها تكشف عن مشكلة هيكلية أعمق: فعندما لا تتجاوز التعهدات التراكمية لصندوق «الخسائر والأضرار» العالمي خمس احتياجات إعادة إعمار دولة متوسطة التأثر بالكوارث، تتشكل فجوة واضحة بين المسؤولية الأخلاقية التي تعهدت بها الدول المتقدمة في مؤتمرات المناخ وتعبئة الموارد الفعلية.

ومن ثمّ، تكتسب محنة إعادة إعمار نيبال دلالتين تتجاوزان حدودها الوطنية: أولاهما، ما إذا كان يمكن تأمين التمويل لفاتورة بمليارات الدولارات دون زيادة أعباء ديونها؛ وثانيهما، ما إذا كانت الدول الكبرى المُصدرة للانبعاثات على استعداد لتحويل تعهداتها للصندوق من لفتات سياسية رمزية إلى تدفقات تمويلية متوقعة تتناسب مع حجم الدمار المناخي. وعلى هاتين النقطتين، لم يُقدّم حجم صندوق الخسائر والأضرار الحالي إجابة مقنعة.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.