حظر منتجات المستوطنات مع استمرار التبادل التجاري الواسع: رمزية وحدود السياسة الغربية تجاه إسرائيل
بعد أن أعلن وزير الخارجية البريطاني ميليباند يوم الثلاثاء في البرلمان حظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، أصدرت 11 دولة بياناً مشتركاً أكدت فيه عزم كل منها على فرض قيود مماثلة. غير أنه وفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، شكّل الاتحاد الأوروبي 31.7% من إجمالي تجارة السلع الإسرائيلية في عام 2025، في حين بلغ حجم التجارة الثنائية السنوية بين هولندا والمملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل مستويات بعشرات المليارات من الدولارات، مما يكشف أن هذه الحظر تظل في جوهرها رمزية إلى حد بعيد على الصعي
أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند يوم الثلاثاء في البرلمان أن المملكة المتحدة ستمنع استيراد جميع المنتجات المصنّعة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة. ووفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، سيدخل هذا الحظر حيّز التنفيذ خلال ستة إلى تسعة أشهر، ويستهدف بشكل رئيسي منتجات تصدير المستوطنات من التمور وزيت الزيتون والمنتجات الزراعية. وقال ميليباند في كلمته إنه لا يعتقد أن "الشعب البريطاني يريد منا دعم الاحتلال من خلال قبول منتجات المستوطنات في متاجرنا".
تأتي هذه الخطوة استجابةً لتزايد عنف المستوطنين الإسرائيليين وتوسّع المستوطنات، وهي أيضاً أحدث تحركات الضغط الدولي المستمر. وكانت محكمة العدل الدولية قد قضت في يوليو/تموز 2024 بأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية "غير قانوني"، ثم أصدرت الأمم المتحدة قراراً يطالب إسرائيل بإنهاء الاحتلال في غضون عام.
جاء رد الفعل الإسرائيلي سريعاً وحاداً. ووفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، أعلنت إسرائيل عن أربعة "إجراءات مضادة"، تشمل منع 12 عضواً برلمانياً بريطانياً من دخول إسرائيل وإغلاق القنصلية البريطانية في القدس.
عقب كلمة ميليباند، أصدرت 11 دولة هي كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد بياناً مشتركاً يدعم حل الدولتين، وأعلنت عزم كل منها على فرض قيود على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. وكانت إسبانيا وأيرلندا قد أعلنتا كلٌّ على حدة في وقت سابق من هذا العام حظراً على المستوى الوطني، تلتهما هولندا وبلجيكا.
إن المضمون الاقتصادي لهذه الحظر محدود للغاية. ووفقاً لبيانات المفوضية الأوروبية، كان الاتحاد الأوروبي في عام 2025 أكبر شريك تجاري لإسرائيل، إذ شكّل 31.7% من إجمالي تجارتها من السلع، ليبلغ الإجمالي 43.3 مليار يورو (نحو 50.4 مليار دولار). ووفّر الاتحاد الأوروبي 33.1% من واردات إسرائيل (28 مليار يورو، نحو 32.6 مليار دولار)، في حين استقبل 29.4% من صادراتها (15.3 مليار يورو، نحو 17.8 مليار دولار).
تتّضح هذه الرمزية بشكل أكبر في بيانات التجارة الثنائية. ووفقاً لإحصائيات قناة الجزيرة: بلغ إجمالي التجارة الثنائية بين أيرلندا وإسرائيل في عام 2025 نحو 5.36 مليار دولار، ونحو 4.8 مليار دولار مع هولندا، و3.73 مليار دولار مع المملكة المتحدة، و3.62 مليار دولار مع فرنسا، و2.79 مليار دولار مع إسبانيا. ومن بين هذه الدول، تُعدّ أيرلندا ثاني أكبر سوق لتصدير السلع الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة، مدفوعاً بشكل رئيسي بتجارة أشباه الموصلات والدوائر المتكاملة وغيرها من التقنيات؛ في حين تُعدّ هولندا أكبر مستثمر أجنبي منفرد في إسرائيل، إذ تمثّل نحو ثلثي إجمالي استثمارات الاتحاد الأوروبي في إسرائيل.
يشكّل جزء كبير من التجارة الفرنسية مع Israël تراخيص تصدير تقنيات المراقبة والتقنيات العسكرية. وكانت إسبانيا قد حظرت في سبتمبر/أيلول 2025 استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما حظرت تجارة الأسلحة.
ووفقاً لتقرير صادر عام 2026 عن مركز "غلوبال إيكو ليتيغيشن" (Global Echo Litigation)، فإن أكثر من 17% من نحو 5900 شحنة بضائع مرسلة من إسرائيل إلى أوروبا تحتوي على منتجات مصدرها المستوطنات. وكشف تحقيق أجرته قناة الجزيرة أيضاً أن ما لا يقل عن 17 شركة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية لديها عقود مع القطاع العام البريطاني تتجاوز قيمتها 2.1 مليار جنيه إسترليني (نحو 2.85 مليار دولار).
تكشف هذه الأرقام عن التناقض الداخلي في السياسة الغربية: ففي حين تحظر الدول منتجات المستوطنات استجابةً لقرارات القانون الدولي وعنف المستوطنين، فإنها تحافظ في الوقت ذاته على علاقات تجارية واقتصادية طبيعية مع إسرائيل بعشرات المليارات من الدولارات. وقد ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين من نحو 270 ألفاً عند توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 إلى ما بين 600 ألف و750 ألفاً حالياً، موزّعين على نحو 250 مستوطنة غير قانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، أي ما يمثّل نحو 10% من السكان اليهود في إسرائيل — وفي حين تختار الدول تنفيذ حظر محدود في هذا التوقيت، فإن فعاليته الفعلية في وقف توسّع المستوطنات تبقى موضع شك.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.