المجتمع والحقوق

فنّانة الزجاج المتخيَّلة واحتيال متجر "الأشباح" المعتمد على الذكاء الاصطناعي: المستهلكون المسنون في أستراليا تحت الاستهداف

تلقّى روبرت غات، فنّان نفخ الزجاج الوحيد في بلدة بورت فيري بولاية فيكتوريا الأسترالية، مؤخّراً عدّة استفسارات من غرباء، لكنّ الفنّانة المستهدَفة في هذه الاستفسارات لا وجود لها أصلاً، وهي فنّانة زجاج متخيَّلة تُدعى "إيلينور ويتمور". ووفقاً لتحقيق أجرته هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC News)، فإنّ هذا الموقع الاحتيالي المعروف بـ"متجر الأشباح" والمُنشأ باستخدام الذكاء الاصطناعي يستهدف المستهلكين المسنّين، وتُديره شركة يُعتقد أنّها تعمل في تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي ومقرّها هونغ كونغ. وتنتقد هيئات ح

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

في بلدة بورت فيري الساحلية الواقعة في جنوب ولاية فيكتوريا فنّان واحد فقط لنفخ الزجاج، واسمه روبرت غات. غير أنّه منذ نحو أسبوع بات يتلقّى يومياً اتصالات ورسائل إلكترونية من غرباء، لكنّهم لا يسألون عنه، بل عن شخص آخر — فنّانة تُدعى "إيلينور ويتمور".

ووفقاً لما أوردته هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC News)، فإنّ بعض المتّصلين ادّعوا أنّهم اشتروا مجموعة كؤوس زجاجية مصنوعة يدوياً من "إيلينور ويتمور" دون أن يتسلّموا إيصالاً؛ فيما وصف آخرون، بصوت مختنق، أنّ زوج هذه الفنّانة تُوفّي مؤخّراً، وطلبوا من غات مساعدتهم في التوصّل إليها. ويعمل غات في مجال نفخ الزجاج في بورت فيري منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وقال لـ ABC News: "Well, I'm the only glassblower in Port Fairy and I'm not dead, and neither is my wife." (أنا فنّان نفخ الزجاج الوحيد في بورت فيري، ولم أَمُتّ، ولم تَمُت زوجتي أيضاً.)

ولا وجود لـ"إيلينور ويتمور" على أرض الواقع. فقد تواصلت ABC News مع فنّانين محلّيين، ومع منظّمة Regional Arts Victoria المناصرة للفنانين، ومع مجلس المقاطعة المحلية التابع لها بورت فيري، فأجمعوا جميعاً على أنّهم لم يسمعوا بهذا الاسم قطّ، ولا أثر له في أيٍّ من قوائم الناخبين المتعدّدة.

ومصدر كلّ ذلك هو موقع احتيالي على الإنترنت يُعرف بـ"متجر الأشباح" (ghost store)، أُنشئ باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويدّعي الموقع أنّه يبيع مجموعة مكوّنة من 8 كؤوس زجاجية ذات طابع بحري مصنوعة يدوياً بأسلوب النفخ، مقابل 250 دولاراً أسترالياً، وتظهر على صفحته صور مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، مع تغليف عاطفي يتمثّل في قصّة وفاة زوج الفنّانة المتخيَّلة.

وقالت ميغ دالينغ، مساعدة المديرة التنفيذيّة للسياسات في مركز Consumer Action Law Centre، لبرنامج الصباحي الولائي التابع لـ ABC، إنّ هذا النوع من الاحتيال "يبدو مشروعاً تماماً، وعادةً ما يُقام باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنّ غرضه الوحيد يتمثّل في الاستيلاء على أموال المستهلكين دون تسليم أيّ منتجات". وأضافت: "It has a very compelling, emotionally heart-rending story, but it's actually all just fake," (هذه القصّة مؤثّرة للغاية ومفجعة عاطفياً، لكنّها في الحقيقة كلّها زائفة.)

وتشير البنية التقنيّة الأساسيّة لهذا الاحتيال إلى الخارج. ووفقاً لما كشفته ABC News، فإنّ الجهة المسجَّلة المالكة لهذا الموقع الزائف هي شركة مقرّها هونغ كونغ، يُعتقد أنّها تعمل في تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي. وقد ظهرت إعلاناتها الترويجيّة على مواقع إخباريّة محلّية أسترالية، إلى جانب إعلانات أخرى لروبوتات تداول الأسهم بالذكاء الاصطناعي، وألواح تقطيع مصنوعة يدوياً، ومنتجات إنقاص الوزن — وكانت معظم الصور المصغّرة تحمل علامات تدلّ على أنّها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، لكنّ إعلان لوح التقطيع لم يكن يحمل أيّاً من تلك العلامات.

وقال غات لـ ABC News إنّ المتّصلين كانوا بوضوح من كبار السنّ، ويصدّقون قصّة "السيدة ويتمور" بأكملها، وإنّ عمليّة الاحتيال برمّتها "يبدو أنّها تستهدف كبار السنّ".

ورفضت هيئة المنافسة والمستهلك الأسترالية (ACCC) الكشف عن عدد الشكاوى المتعلّقة بـ"متاجر الأشباح" التي تلقّتها هذا العام، لكنّها أكّدت أنّها أصدرت تحذيراً علنياً من هذه المشكلة العام الماضي، وطلبت من منصّة التجارة الإلكترونيّة Shopify ومنصّة التواصل الاجتماعي Meta مراجعة المشغّلين المشتبه بهم واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقّهم. وذكرت ACCC أنّ ذلك أدّى إلى توقّف أكثر من عشر متاجر مشتبه بها من نوع "متاجر الأشباح" عن العمل.

وترى دالينغ أنّ هذا الجهد الإنفاذي غير كافٍ إلى حدّ بعيد. وقالت لـ ABC News: "Individuals will never be able to tackle this." (لن يتمكّن الأفراد أبداً من مواجهة هذا الأمر بمفردهم.) وأشارت إلى أنّ المنصّات الرقمية تتحمّل مسؤوليّة أكبر في كبح بثّ هذه الإعلانات، لكنّها قالت إنّه لا يوجد حلّ "سحري" حالياً؛ إذ لا يمكن حماية المستهلكين حمايةً فعليّة إلاّ من خلال بناء أطر قانونيّة جديدة وأُطر منهجيّة لمكافحة الاحتيال.

كما ذكّرت المتسوّقين عبر الإنترنت بضرورة الانتباه إلى عدّة علامات تحذيريّة: هل يُدرج الموقع رقم الأعمال الأسترالي (ABN)؟ وهل تحمل الصور علامات تدلّ على أنّها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي؟

وكشف هذا الاحتيال أيضاً عن الأضرار اللاحقة بالمبدعين الحقيقيّين جرّاء الاحتيال القائم على الذكاء الاصطناعي. وقالت كيت غيريتسن، مديرة الاتصالات والمشاركة في Regional Arts Victoria، لـ ABC News، إنّ تجربة تسوّق سيّئة عبر الإنترنت قد تُبعد المستهلكين عن شراء أعمال فنيّة حقيقيّة، فيما تبدو السرديّات التسويقيّة المتخيَّلة رخيصة وفارغة مقارنة بالقصص الحقيقيّة الكامنة وراء creators الفعليّين.

وقالت غيريتسن: "It takes away from the real and beautiful stories, particularly in regional Victoria, about artists connecting to their country, and artists creating beautiful products for sale," (هذا يُطفئ القصص الحقيقيّة والجميلة، لا سيّما في فيكتوريا الإقليمية، عن الفنّانين وارتباطهم بأرضهم، وعن الفنّانين الذين يبتكرون منتجات جميلة ويبيعونها.) وأضافت أنّ صعود الذكاء الاصطناعي تسبّب في كثير من المشاكل المتعلّقة بموافقة الفنّانين، ونسب الأعمال، والشفافيّة، وأنّ "إضافةً إلى هذا التزوير الاحتيالي لهويّة الفنّانين، فإنّه ليس سوى مثال آخر على الممارسات الضارّة للذكاء الاصطناعي".

ولا يتيح غات نفسه خيار الشراء عبر الإنترنت إلاّ للعملاء الذين زاروا استوديوه شخصياً. وقال لـ ABC News إنّ هذه التجربة جعلته هو نفسه حذراً عند التسوّق عبر الإنترنت: "It does start making you wary of buying online," (هذا يجعلك بالفعل تحجم عن الشراء عبر الإنترنت،) على حدّ قوله. لكنّه قال إنّ قلقه لا يتعلّق بتأثير الأمر على عمله، وقال لـ ABC News: "I don't think I'm implicated at all, but you always worry," (لا أعتقد أنّني متورّط على الإطلاق، لكنّك تشعر بالقلق دائماً.)

ويبلغ عدد سكّان بلدة بورت فيري نحو 3000 نسمة فقط. وشدّد غات على أنّ العلاقة الحقيقيّة بين العملاء والفنّانين هي أمر لا تستطيع المتاجر الإلكترونيّة استنساخه. وقال: "We've worked on the philosophy that people want to buy a piece of the artist, so we like to chat with our customers and explain what we've done," (نحن نعمل وفق فلسفة مفادها أنّ الناس يريدون شراء قطعة من الفنّان نفسه، لذلك نحبّ أن نتحادث مع عملائنا ونشرح لهم ما صنعناه.)

ولا تزال تفاصيل عدّة جوهريّة في هذا الاحتيال غير واضحة: لم يُكشف عن عدد المستهلكين المتضرّرين ولا عن إجمالي الخسائر الماليّة؛ ولم تُفصَّل خطوات الإنفاذ اللاحقة بعد تحذير ACCC لكلٍّ من Shopify وMeta؛ ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه الشركة التي يُعتقد أنّها تعمل في تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي ومقرّها هونغ كونغ لا تزال تدير مواقع احتياليّة أخرى مماثلة، وما هو الدور المحدّد الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في سلسلة الاحتيال بأكملها.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.

فنّانة الزجاج المتخيَّلة واحتيال متجر "الأشباح" المعتمد على الذكاء الاصطناعي: المستهلكون المسنون في أستراليا تحت الاستهداف | Truth Era