العالم والأمن

رصد ما قبل الانتخابات في مالمو: مكبرة السرد اليميني المتطرف والتكلفة الحقيقية لسياسة الهجرة السويدية

تشهد السويد يوم الأحد (14 سبتمبر) انتخابات وطنية متقاربة للغاية. تكشف تحقيقات ميدانية أجرتها قناة الجزيرة في ثالث أكبر مدنها، مالمو، أن هذه المدينة ذات التكوين المتنوع تتكرر في تشكيلتها اليمينية المتطرفة الأوروبية من قبل حزب يوكيب البريطاني وحزب البديل من أجل ألمانيا باعتبارها "نموذجاً لفشل الاندماج"؛ أما التكلفة الحقيقية التي تتحملها الأسر العادية فهي ناجمة عن تشديد سياسة الهجرة بعد تولي الحكومة اليمينية الحالية السلطة، إذ يُؤمَر المراهقون بالمغادرة عند بلوغهم الثامنة عشرة، ويُطلب من رضيع عمره

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

تشهد الانتخابات الوطنية في السويد يوم الأحد (14 سبتمبر) سباقاً نهائياً حامياً. ووفقاً لتقرير قناة الجزيرة، تُظهر استطلاعات الرأي الوطنية أن ائتلاف المعارضة الوسطى-اليساري بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي يتقدم على المعسكر اليميني بفارق لا يتجاوز بضع نقاط مئوية، وقد تقلّص هذا الفارق باستمرار خلال الشهر الماضي.

في الساحة المركزية بمدينة مالمو، ثالث أكبر مدن السويد، تصطف أكواخ الحملات الانتخابية جنباً إلى جنب، إذ لا يفصل بين ممثلي حزب اليسار وحزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف سوى متر واحد، وكلاهما يوزع المنشورات على المارة. وقد أصبحت هذه المدينة محط أنظار هذه الانتخابات بفضل تركيبتها المتنوعة، فـ 36.8% من سكانها البالغ عددهم 368 ألف نسمة وُلدوا خارج السويد.

تُصاغ مالمو مراراً وتكراراً في الخطاب اليميني باعتبارها "تحذير من فشل الاندماج". ووفقاً لتقرير قناة الجزيرة، وصفها السياسي الشعبوي البريطاني نايجل فاراج علناً عام 2017 بأنها "عاصمة الاغتصاب في أوروبا"، وهي تسمية رفضها عالم الجريمة السويدي البارز ووصفها بـ"الهراء"؛ كما أدرج حزب البديل من أجل ألمانيا المدينة ضمن سرديته المعادية للهجرة.

لكن بالنسبة لسكان مالمو، فإن ما يثقل كاهلهم ليس التسميات البعيدة، بل العمل والإيجار والرعاية الصحية. قالت أنفال مهدي، عضوة مجلس بلدية مالمو عن حزب اليسار، في مقابلة مع قناة الجزيرة داخل قاعة البلدية: "يتجاهل السياسيون اليمينيون تماماً التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها سكان المناطق السكنية المخصصة لمليون وحدة." وتشير إلى مشروع الإسكان الذي بنت فيه السويد مليون وحدة سكنية للأسر العاملة بين عامي 1965 و1974، ومع انتقال السكان الأصليين منها على مدى عقود، أصبحت هذه الأحياء تدريجياً نقطة استقرار للمهاجرين الجدد واللاجئين، وصنّفتها السلطات رسمياً ضمن "المناطق المتضررة بشكل خاص".

تنحدر عائلة مهدي من العراق، حيث فرّت إلى السويد بعد حرب الخليج، ونشأت هي نفسها في هذه الأحياء. وتقول إن لديها أصدقاء من البوسنة وفلسطين والصومال، "نشأنا معاً رغم أننا لم نكن ميسورين مادياً، لكننا كنا ندعم بعضنا البعض". وأشهر أبناء المدينة، إبراهيموفيتش، خرج بدوره من حي روزنغارد، أحد أحياء مشروع المليون وحدة، الذي لا تزال الشرطة تصنّفه ضمن "المناطق المتضررة بشكل خاص".

وتؤكد مهدي أن "سياسة الجيب"، المتمثلة في الرعاية الصحية والبطالة، هي الشغل الشاغل المشترك بين جميع الشرائح. وتبلغ نسبة البطالة في مالمو نحو 11%، مما يجعلها من بين أعلى البلديات بطالة في السويد؛ أما الرعاية الصحية فتأتي في صدارة اهتمامات الناخبين على المستوى الوطني. أما لينا، البالغة من العمر 78 عاماً، وهي متطوعة في حملة حزب Moderaterna، فتضع التعليم والاندماج في المرتبة الأولى.

**التكلفة الحقيقية لسياسة الهجرة**

وثّقت تقرير قناة الجزيرة بالتفصيل الأثر الذي خلفته سلسلة إجراءات التشديد التي انتهجتها الحكومة اليمينية الحالية على الأسر العادية:

في ظل سياسات الحكومة الحالية، يُؤمر كثير من المراهقين الذين نشأوا في السويد بمغادرة البلاد عند بلوغهم الثامنة عشرة، في حين يُسمح لآبائهم بالبقاء. وقد عُلّقت هذه السياسة في مارس الماضي عقب احتجاجات عامة واسعة، ثم أُطلقت إصلاحات في يونيو.

ظهرت حالة أكثر تطرفاً للعلن في فبراير من هذا العام: إذ أمرت هيئة الهجرة السويدية بترحيل الرضيع إيمانويل، المولود في السويد والبالغ ثمانية أشهر، وحده إلى إيران، في حين حافظت عائلته على تصاريح إقامتها.

كما رفعت الحكومة مراراً عتبة الأجور المطلوبة للحصول على تصاريح العمل، حيث رفعتها في يونيو من 80% من متوسط الأجور في السويد إلى 90%. وأخبرت بينتو درامي قناة الجزيرة أن عمّها طُلب منه مغادرة البلاد لعدم استيفائه عتبة الدخل.

في الوقت نفسه، يحتل حزب ديمقراطيو السويد، الذي تعود جذوره إلى أصول نازية جديدة، المركز الثاني في استطلاعات الرأي حالياً. وقد تعهد رئيس الوزراء أولف كريسترسون بمنح الحزب، في حال فوز المعسكر اليميني بالانتخابات، حقيبة وزارية من بينها وزير شؤون الهجرة. وهذا يعني أن السياسات المذكورة آنفاً التي أثّرت بشكل ملموس في الأسر قد تصبح أكثر ترسيخاً مؤسسياً.

**جرائم الأسلحة وتجنيد القاصرين**

تُعد الجريمة موضوعاً انتخابياً رئيسياً آخر. فالسويد، التي يبلغ عدد سكانها 10.6 ملايين نسمة، تصنّف ضمن الدول الأوروبية ذات أعلى معدلات القتل بالأسلحة النارية، رغم أن أعمال العنف المميتة تراجعت العام الماضي إلى أدنى مستوى منذ عام 2012. ووفقاً لتقرير قناة الجزيرة، تُجند شبكات الجريمة أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً لتهريب الأسلحة وترويج المخدرات وتنفيذ عمليات القتل بأجر؛ كما كُشف في عام 2024 أن عصابات دنماركية وظّفت مراهقين سويديين لتنفيذ عمليات إطلاق نار وتفجيرات.

وفي مسألة كيفية التعامل مع الجريمة، يشدد اليمين على العقاب والردع، بينما يركز اليسار والوسط-اليسار على معالجة الأسباب الجذرية وإعادة التأهيل والعمل الاجتماعي الوقائي. غير أن التقرير أشار أيضاً إلى أن مواقف الأحزاب ليست متمايزة بشكل قاطع، إذ يدعم الحزب الاشتراكي الديمقراطي خفض سن المسؤولية الجنائية، بينما صوّت حزب اليسار وحزب الخضر وحزب الوسط ضد ذلك.

**الناخبون الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي**

ووفقاً لما رصدته قناة الجزيرة، تتجاوز نسبة مشاركة الناخبين الشباب في هذه الانتخابات ما كانت عليه في الدورة السابقة. يقول يعقوب، 19 عاماً: "كل ما يظهر لي في تيك توك الآن حسابات الأحزاب السياسية، والإعجابات والمشاهدات مرتفعة جداً، وكثير من الفيديوهات تتصدر الترند." أما سارة، وهي فلسطينية في العشرينيات من عمرها، فأخبرت قناة الجزيرة أن "السياسة القائمة على الاستقطاب" أصبحت أمراً معتاداً، وإن خطابات الهجرة والإسلام تجعلها تشعر بأن "بعض الناس لا يريدون الاندماج أو حتى الانصهار أصلاً، إنهم يريدونك فقط أن ترحل".

ويُبدي آدم، بائع الزهور البالغ 20 عاماً والذي يبيع عند حافة الساحة، قلقاً من نوع آخر: "يهتم الشباب بالسياسة، لكن كثيرين منا يشعرون بأن أياً كان من سيتولى الحكم، فلن يتغير شيء حقاً."

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.