العالم والأمن

توترات مضيق هرمز تضغط على قنوات البولي إيثيلين الخليجية ومجتمع إعادة التدوير المهمش في القاهرة يكتسب مساحة تفاوضية غير متوقعة

وفقاً لتقرير قناة فرنسا 24، أدت التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز إلى إعاقة واردات البولي إيثيلين من الخليج ومضاعفة أسعار البلاستيك الجديد، مما دفع المصانع المصرية إلى التوجه نحو مجتمع إعادة التدوير غير الرسمي المهمش منذ أمد بعيد في حي منشية ناصر بالقاهرة. وقد رفعت هذه الصدمة الخارجية مؤقتاً من القيمة السوقية للبلاستيك المعاد تدويره، لكن التقرير لم يكشف عن الأسباب المحددة للأزمة في المنبع، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التحسن في القدرة التفاوضية يمكن أن يترجم إلى تحسينات مستدامة في ظروف

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

وفقاً لتقرير قناة فرنسا 24، في أزقة حي منشية ناصر المتشابكة في قلب القاهرة، يقوم نحو 120 ألف نسمة بمعالجة ثلث نفايات هذه المدينة الكبرى يومياً. ومع التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز التي تضغط على قنوات استيراد البولي إيثيلين الخليجي وتدفع بأسعار البلاستيك الجديد إلى الأعلى، لم تجد المصانع المصرية بديلاً سوى التوجه نحو هذا الحي القبطي المهمش منذ فترة طويلة لتأمين المواد الخام المعاد تدويرها، وتعيد هذا الضغط بشكل غير متوقع تشكيل بنية السوق لقطاع إعادة التدوير غير الرسمي في القاهرة.

وكتب مراسلا قناة فرنسا 24، ماتيلد دلفين وغريغوري هوليوك، في تقريرهما الصادر بتاريخ 8 أكتوبر، أن سكان حي منشية ناصر يقومون يومياً بفرز وإعادة تدوير ما يصل إلى 8 آلاف طن من النفايات، فيما يُمنح ما يصل إلى 90% من النفايات البلاستيكية الواردة حياة جديدة. غير أن هؤلاء العاملين المهمشين منذ أمد بعيد في قطاع إعادة التدوير غير الرسمي، ومعظمهم من المسيحيين الأقباط، والمعروفين باسم «الزبّالين» (Zabaleen، وتعني بالعربية «الزبّالين» أو جامعي القمامة)، كانوا تاريخياً في أضعف طرف تفاوضي في سلسلة التوريد.

وتتمثل سلسلة الانتقال الموصوفة في التقرير على النحو التالي: يُنقل البولي إيثيلين الخليجي عادة عبر مضيق هرمز، وتسبب التوترات الجيوسياسية نقصاً في المواد الخام المستوردة، وتواجه المصانع المصرية مضاعفة أسعار البلاستيك الجديد. وعندما يتحول البلاستيك المعاد تدويره من خيار اختياري إلى مصدر بديل شبه ضروري، يرتفع موقع النفايات البلاستيكية المفرزة في مفاوضات الأسعار تبعاً لذلك. وما تسميه قناة فرنسا 24 «التحول الدراماتيكي» ليس في جوهره سوى إعادة تسعير أطلقتها الصدمة الجيوسياسية في المنبع ضمن الاقتصاد غير الرسمي في المصب.

غير أن التقرير ذاته لم يكشف عن الأسباب المحددة للأزمة الحالية في مضيق هرمز ولا عن الأطراف الرئيسية المتنافسة، مما يترك كيفية نشوء التوتر في المنبع وموعد انحساره خارج نطاق رؤية القارئ. ويُعد مضيق هرمز ممراً مائياً رئيسياً لصادرات الطاقة والمواد الخام الخليجية، وقد أثّرت التوترات حول هذا الممر مراراً في سلاسل التوريد العالمية. وكل تعديل في المنبع ينتقل عبر سلسلة أسعار المواد الخام إلى المصب، والتكاليف التي يجري استيعابها فعلياً غالباً لا تقع عند طرف استهلاك الطاقة، بل في مجتمعات مثل منشية ناصر الواقعة على هامش سلسلة التوريد العالمية.

وتتجلّى هشاشة هذا «التفاوض تحت الضغط» بقدر مماثل من الوضوح. فزيادة الطلبيات وارتفاع الأسعار الحالية مدفوعتان بنافذة فتحتها صدمة خارجية، وليسا نتاج تحسن هيكلي في موقع العاملين في إعادة التدوير ضمن سلسلة التوريد. ولم يتطرق تقرير قناة فرنسا 24 إلى استقرار طلبيات المصانع، أو سقف الطاقة الاستيعابية للبنية التحتية المحلية لإعادة التدوير، أو ما إذا كان غياب الحماية الاجتماعية وحماية العمل الرسمية عن مجتمع الزبّالين منذ أمد بعيد قد شهد أي تغيير. وبمجرد انحسار التوتر في المنبع وتراجع أسعار البلاستيك الجديد، قد تُضيَّق هذه المساحة التفاوضية مجدداً على المدى القصير.

وما يستحق التساؤل بشكل أعمق هو أنه لا توجد أي آلية تفاوض أو تعويض بين الأطراف التي تحتكر السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، والأسر التي تكسب قوتها من فرز القمامة في شوارع القاهرة. فصراع القوى في المنبع يُحدث آثاراً تتسرب إلى ما وراء الحدود، فيما تستوعب المجتمعات المهمشة في المصب الصدمة بتكثيف العمل وتكاليف صحية، لتحظى بمكانة سوقية عرضية دون أي ضمانة حقوقية مؤسسية تسندها. وفي نمط لم يُوزَّع فيه تكاليف الصراع الجيوسياسي بعدالة يوماً، تبدو «العائدات» التي يحصدها مجتمع الزبّالين اليوم أقرب إلى أثر جانبي آخر من آثار اللامساواة الهيكلية.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.