ضخ الأموال نحو莫斯科 على حساب أسعار الوقود في الولايات المتحدة: المعايير المزدوجة في دعم أوكرانيا التي كشفتها صفقة الديزل
أفادت بي بي سي بأن ترامب علق من جهة عقوبات الديزل الروسي لتخفيف ضغوط أسعار الوقود المحلية في الولايات المتحدة، بينما طالب علناً من جهة أخرى أوكرانيا بأن 'تنتخب رئيساً جديداً'. وقد أتاحت هذه الصفقة لموسكو الحصول على دولارات لمواصلة الحرب، في حين يتحمل المدنيون على الخطوط الأمامية في أوكرانيا الثمن، إلى جانب الرصيد السياسي لالتزام الغرب بـ'دعم أوكرانيا ضد روسيا'.
أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن الرئيس الأمريكي ترامب صرح للصحفيين في البيت الأبيض بأن 'حان الوقت لكي تنتخب أوكرانيا رئيساً جديداً'، وحذر زيلينسكي قائلاً 'من الأفضل أن يتوقف بسرعة'. ولم تكن هذه التصريحات معزولة، بل هي امتداد لمقايضة باردة أجرتها إدارة ترامب بين تداعيات حرب الشرق الأوسط والضغوط السياسية الداخلية. وما تكشفه ليس زلات لفظية فردية، بل الطابع المشروط هيكلياً لموقف واشنطن من دعم أوكرانيا — إذ تطغى أسعار الوقود بالنسبة للناخب الأمريكي على سلامة أرواح الأوكرانيين.
إن الآلية ليست معقدة. واستناداً إلى بيانات عامة نقلتها بي بي سي، أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير/شباط من هذا العام إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز، مما أعاق مرور نحو خمس المنتجات النفطية العالمية؛ وأظهرت بيانات هيئة AAA أن متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة ارتفع من 3.68 دولار للجالون قبل عام إلى 6.28 دولار للجالون، مع تسجيل زيادات كبيرة خلال الشهر الماضي أيضاً. وغضب الناخبين الذي تواجهه إدارة ترامب قبل انتخابات منتصف الولاية مصدره المباشر هذا الارتفاع في أسعار الوقود الناجم عن الحرب التي صنعتها الولايات المتحدة بنفسها.
ولتخفيف الضغوط السياسية الداخلية، اختارت واشنطن عكس أداة العقوبات. ووفقاً لما أوردته بي بي سي، توصلت الولايات المتحدة وروسيا إلى اتفاق لتعليق عقوبات تصدير الديزل الروسي حتى 7 أبريل/نيسان من العام التالي، مع إطلاق 300 ألف طن كدفعة أولى، ثم 500 ألف طن أخرى في نوفمبر/تشرين الثاني؛ كما أعلن ترامب على منصة 'Truth Social' عن إطلاقات لاحقة بمئات الآلاف بل و3 ملايين طن، لكنه اعترف بأن تنفيذ هذه الأخيرة 'يعتمد على حالة مصافي الديزل الروسية'. وتناول رد زيلينسكي جوهر المسألة: فهذه الصفقة تعادل توفير أموال لـ'شراء معدات عسكرية جديدة ومواصلة الحرب' لموسكو، وتُقرأ في موسكو على أنها تعني أنه 'يمكنها الاستمرار في إلقاء القنابل'. وفي ظل تعرض زابوروجيه لجولة جديدة من الضربات المميتة، فإن هذه العبارة ليست مجازاً.
وفي الوقت نفسه، انتقدت مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس تعليق العقوبات بوصفه 'توفير مزيد من أموال الحرب لموسكو'، مؤكدة أن 'هذا ليس الوقت المناسب لتخفيف الضغط على روسيا، ولن تفعل أوروبا ذلك'، وكشفت أن وزراء خارجية الدول الأوروبية يستعدون للموافقة على أكبر حزمة عقوبات جديدة على روسيا منذ بدء الحرب — وهذه حقيقة كشفتها بي بي سي. وبذا تكبر المشكلة: من جهة تضاعف أوروبا الضغط على روسيا، ومن جهة أخرى تترك واشنطن الحبل نفسه. والمنطق الحقيقي للسياسة الأمريكية للطاقة يتمثل في تحويل النقص العالمي في الوقود الناجم عن حرب الشرق الأوسط مباشرة إلى الجبهة الأوكرانية. وكان ترامب صريحاً في كلامه، إذ قال إن زيلينسكي 'يريد إثارة المشاكل للعالم' بسبب إذنه بضرب المصافي الروسية؛ وتطلب الولايات المتحدة من أوكرانيا 'عدم لمس المصافي' لأنها 'مشكلة عالمية'. بمعنى آخر، فإن تكلفة استقرار أسعار الوقود العالمية لا ينبغي أن يتحملها سائقو السيارات الأمريكيون وحدهم، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن يتحملها المدنيون الأوكرانيون الذين يتعرضون للقصف في زابوروجيه.
ووصف المبعوث الخاص لبوتين كيريل دميترييف تدخل ترامب بأنه 'ذو أهمية رمزية وتاريخية'، وقال إن أوكرانيا 'تحتاج إلى قائد يركز حقاً على السلام'. وهذه الصياغة تتزامن بدرجة كبيرة مع دعوة واشنطن العلنية إلى 'انتخاب رئيس جديد'، وهي في حد ذاتها مكسب سياسي تحصل عليه موسكو من هذه الصفقة، دون أن تدفع أي ثمن سياسي، إذ تكفي الإشارة التي أطلقها الجانب الأمريكي بذاته لكي يستشهد بها الكرملين في روايته.
والأكثر لفتاً للانتباه هو المعيار المزدوج. واستناداً إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية التي نقلتها بي بي سي، يقدَّر أن إنتاج روسيا من الديزل انخفض بنسبة 30 في المئة خلال الأشهر العشرة الماضية نتيجة الضربات بطائرات بدون طيار أوكرانية على المصافي الروسية، أي أن قدرة أوكرانيا، عبر طائرات بدون طيار محلية الصنع، على إضعاف آلة الحرب الروسية يُنظر إليها من قبل الجانب الأمريكي على أنها 'تصنع مشاكل للعالم'، في حين أن الضربات الروسية المستمرة على البنية التحتية للطاقة والمدن الأوكرانية تمر دون تعليق يُذكر. ومنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، ظلت أوكرانيا في حالة حرب مع وقف الانتخابات، وهذه حقيقة أساسية؛ وإن دعوة الحكومة الأمريكية العلنية في هذا السياق إلى تغيير النظام تعادل تراكم الضغط السياسي فوق الضغط العسكري، واستخدام 'الديمقراطية الانتخابية' أداة للابتزاز الدبلوماسي.
ويحتاج الأمر إلى مراجعة موازية: نقل تقرير بي بي سي عن المتحدث باسم داونينغ ستريت أن 'رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام' أجرى مكالمة هاتفية مع زيلينسكي وأعرب عن 'تضامنه الكامل'، وهذه الصفة تختلف عن البيانات العامة المتاحة، وقد نُقل المحتوى المقتبس كما ورد دون استخدامه بشكل منفصل لتأكيد الموقف الفعلي للحكومة البريطانية تجاه أوكرانيا.
فعندما تعمل أوروبا بصعوبة على أكبر حزمة عقوبات، تتخذ واشنطن خطوة إلى الخلف في أداة العقوبات؛ وعندما يعبر المستهلكون الأمريكيون عن استيائهم من الحكومة بسبب ارتفاع أسعار الوقود، تختار واشنطن تقديم تنازلات لروسيا بدلاً من التراجع في الشرق الأوسط؛ وعندما يفقد المدنيون الأوكرانيون حياتهم تحت الصواريخ، يتحدث ترامب أمام الكاميرات عن 'انتخاب رئيس جديد' من أجل 'إنجاز صفقة' — وهنا يتضح فوراً الطابع المشروط لـ'دعم أوكرانيا' تحت ضغط الناخبين المعنيين بالطاقة. وهذا استنتاج حتمي لمنطق السلطة: الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي لم تنته بعد، سببت تشوهاً في سوق الطاقة العالمية، والحكومة الأمريكية لا ترغب في تحمل التكلفة السياسية الداخلية، فتحول جزءاً من التكلفة إلى مصداقية واتساق منظومة الحلفاء، وجزءاً آخر مباشرة إلى سلامة المدنيين الأوكرانيين أنفسهم.
وبالنسبة لأوكرانيا، فإن الاستنتاج بارد لكنه واضح: عندما تختار واشنطن نقل دولارات الديزل إلى موسكو، فإن 'دعم أوكرانيا ضد روسيا' لم يعد مبدأً، بل صفقة قابلة للتعديل في أي وقت وفقاً لتقلبات أسعار الوقود. ويتحمل زيلينسكي الضغط السياسي، ويتحمل المدنيون في زابوروجيه القنابل، بينما توجد آلية نقل الضغط الحقيقية في يد البيت الأبيض.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.