التمويل مقابل الاقتراب: مسار السلطة لمحامٍ أسترالي بارز تسلّل إلى أيتام كمبوديا عبر قنوات خيرية
كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) أن المحامي الجنائي البارز السابق في سيدني، مارك دينيس إس سي (Mark Dennis SC)، بنى على مدار أكثر من عقد من الزمن سلطة شاملة تتيح له الاقتراب من الأيتام داخل مؤسسة Sunrise Cambodia الخيرية المعروفة للأطفال في كمبوديا، وذلك من خلال التمويل الشخصي وجمع التبرعات في مؤتمرات قانونية خيرية وترؤّسه في نهاية المطاف لفرعها الأسترالي. وامتنع عدد من الموظفين السابقين عن الإبلاغ عن السلوكيات المنسوبة إليه لأنه "الراعي الكبير"، وقد توفي دينيس خلال فترة إفراجه بكفال
كشف تحقيق استقصائي متعدد السنوات أجرته هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC) أن المحامي الجنائي البارز السابق في سيدني، مارك دينيس إس سي (Mark Dennis SC)، عمل على مدار أكثر من عقد من الزمن، من خلال تقديمه تبرعات لمؤسسة Sunrise Cambodia الخيرية للأطفال في كمبوديا، وتنظيمه مؤتمرات قانونية خيرية، وتولّيه في نهاية المطاف رئاسة فرعها الأسترالي، على بناء سلطة تدريجية تتيح له الاقتراب من الأطفال داخل دار أيتام كمبودية ذات شهرة واسعة — وهو ما يكشف عن الشقوق البنيوية المتجذرة في سلسلة صناعة العمل الخيري الغربية ضمن أكثر بيئات حماية الأطفال هشاشةً في الجنوب العالمي.
وأفادت هيئة الإذاعة الأسترالية بأن دينيس بدأ منذ عام 2008 بتمويل أطفال منظمة Sunrise بشكل شخصي، ثم واصل عبر مؤسسته التي أسّسها باسم Reasonable Cause جمع ما لا يقل عن 340 ألف دولار أسترالي لصالح Sunrise خلال سبع سنوات. وفي عام 2018، تسلّم رئاسة المؤسسة الخيرية المسجلة في أستراليا باسم Australian Cambodian Foundation، التي تُدير تبرعات Sunrise، كما حصل على حصة بنسبة 49% من عقار في مدينة Sihanoukville الكمبودية تتجاوز قيمته 3 ملايين دولار أمريكي.
قالت يي سوكسان (Yi Soksan)، التي شغلت منصباً قيادياً في Sunrise بين عامي 2011 و2018، لهيئة الإذاعة الأسترالية: "إنه المدير الكبير". وبحسب رسائل بريد إلكتروني داخلية حصلت عليها الهيئة وشهادات عدد من الموظفين، طلبت كوكس من الموظفين "أن يثقوا به، فهو أيضاً محامٍ ويفهم القواعد والقانون". أما مؤسِّسة Sunrise، جيرالدين كوكس (Geraldine Cox)، فأبلغت الهيئة بأنها "لا تتذكر" مناقشتها مسألة دينيس مع الموظفين، وقالت إنها رغم اعتبارها دينيس صديقاً، فإنها لم تكن على علم بحياته الخاصة ولم تشاهد أي سلوك غير لائق.
وتُظهر وثائق داخلية حصلت عليها هيئة الإذاعة الأسترالية اتساع نصف قطر سلطة دينيس داخل Sunrise بشكل متزايد: فقد شارك في قرارات التسريح، واعتمد الأجور، ووقّع سياسات التوظيف، وحصل منذ عام 2018 على صلاحية الوصول إلى حسابات Sunrise المصرفية، بما يتيح له إجراء المشتريات نيابةً عن الأطفال. وكشفت الهيئة عن رسالة بريد إلكتروني عام 2019 تبيّن أن كوكس طلبت حتى من دينيس الموافقة على نفقاتها الشخصية، إذ قالت إنه منذ "أن تولّيت أنت يا مارك"، أصبح "من الصعب عليها بشكل متزايد أن تحافظ على أي حياة طبيعية". ووافق دينيس.
وأفادت هيئة الإذاعة الأسترالية بأن دينيس شارك منذ عام 2010 في العطلة الشاطئية السنوية التي تنظمها Sunrise في مدينة Sihanoukville. وأخبرت موظفة سابقة في Sunrise، عبر مترجم، الهيئة بأنها تعرّضت أثناء السباحة في الشاطئ لمسة جنسية من دينيس على ساقها، وقدّم لها اعتذاره عقب ذلك. واتهمت الموظفة السابقة نفسها دينيس بمحاولة الاقتراب بشكل متكرر من فتاة مصابة بالتوحد تعيش في Sunrise، وتعرّض صدرها لمسة غير لائقة. وقال إنغ سوفيك (Eng Sopheak)، الذي عاش في Sunrise منذ أن كان في الخامسة من عمره وعمل لاحقاً سائقاً خاصاً لدى كوكس، للهيئة إنه رأى بأم عينيه دينيس يدخل مراراً غرف الفتيات، رغم أن الرجال لا يُسمح لهم عادةً بدخول هذه الأماكن.
قال سوفيك: "شعرت بقلق شخصي"، ونصح الرعاة بأنه "يكفي التبرع بالأموال، فلا حاجة لبناء علاقات مع الأطفال — لذلك آمل أن يتوقف هذا الأسلوب".
وتُظهر سجلات المؤسسة أن عدداً من الموظفين السابقين في Sunrise شهدوا سلوكيات دينيس غير اللائقة، لكنهم لم يتمكنوا لسنوات من الإبلاغ عنها بسبب مكانته كمموّل رئيسي. وصرّحت موظفة سابقة لهيئة الإذاعة الأسترالية: "كانوا يرون هذه الأمور، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء لأنه الراعي الكبير".
وانتقدت ميغي إينو (Maggie Eno)، مسؤولة مؤسسة M'Lop Tapang الكمبودية المحلية لرعاية الأطفال، هذا النمط من منظور مؤسسي أوسع. وأخبرت هيئة الإذاعة الأسترالية بأن ترتيبات من قبيل حضور الرعاة العطلات الشاطئية وشراء هدايا شخصية للأطفال تُشكّل بطبيعتها مخاطر: "الشراء المخصّص... هذا أسلوب 'ترويض'. إنه أمر مرعب". وأشارت إينو إلى أن "المتحرشين بالأطفال أو مرتكبي الاعتداءات الجنسية عليهم لا يقومون فقط بـ'ترويض' الطفل، بل بـ'ترويض' أسرة الطفل والمؤسسة التي ترعاه" — ورغم أنها لم تعلّق على قضية Sunrise بحد ذاتها، إلا أنها أكدت وجود مخاطر بنيوية في هذا القطاع بشكل عام يتم استغلالها من قبل مجرمين على درجة "عالية جداً من الإحكام". وأفادت هيئة الإذاعة الأسترالية بأن مؤسسة Sunrise ردّت في بيان بأنها لم تتلقَّ قط أي شكوى تتعلق بدينيس، وأن الشرطة الأسترالية والكمبودية لم تحدّد حتى الآن أي طفل حالي أو سابق في المؤسسة كضحية لدينيس، مؤكدةً أن سياستها في حماية الطفل "تضع الأطفال دائماً في المقام الأول".
وكشفت هيئة الإذاعة الأسترالية أيضاً أن دينيس، بعد تنحيه عن منصب الرئيس في عام 2020، ظلّ يحافظ على تواصل وثيق مع الأطفال الذين غادروا Sunrise. وأخبر سوك سان (Sok San)، الذي عاش في Sunrise منذ أن كان في العاشرة من عمره ويبلغ الآن 28 عاماً، الهيئة بأن دينيس اشترى له في طفولته ساعات وألعاباً وكتباً وبسكويت، ووعده بشراء جهاز آي باد وتمويل دراسته الجامعية في الولايات المتحدة، ووصف دينيس بأنه "عرّابه". وتظهر سجلات محادثات على فيسبوك أن دينيس كتب في سبتمبر/أيلول 2024 لصبي يُقال إنه تعرّف عليه عبر Sunrise: "أنا فخور بك للغاية". وتُظهر رسائل بريد إلكتروني داخلية من عام 2020 حصلت عليها الهيئة أن موظفاً في Sunrise أبلغ مدير العمليات السابق روب مادسن (Rob Madsen) بأن دينيس كان يُرسل تحويلات مالية سرّية لطفل سابق في المؤسسة يبلغ 17 عاماً، مع مطالبة الطفل بالحفاظ على سرّيتها. وأبلغ متحدث باسم مؤسسة Sunrise الهيئة بعدم وجود "أي سجلات" بهذا الخصوص، لكنه اعترف بأن مخاطر استمرار التواصل بين الرعاة والأطفال بعد مغادرتهم المؤسسة "تفوق سيطرة المؤسسة".
وكانت آخر زيارة قام بها دينيس إلى كمبوديا في يناير/كانون الثاني من هذا العام، حيث زار خلال إقامته مقرّ كوكس الخاص داخل مجمّع Sunrise. وبحسب ملفات قضائية حصلت عليها هيئة الإذاعة الأسترالية استناداً إلى قوانين حرية المعلومات، فقد أوقفته قوات الحدود الأسترالية في المطار لدى عودته إلى سيدني، وصودرت أجهزته الإلكترونية. ووجهت إليه الاتهامات بالعثور في هاتفه على صور لصبيّ يتراوح عمره بين ست وعشر سنوات، إلى جانب سجلات محادثات يُعبّر فيها عن "رغبته في اغتصاب مراهق في السادسة عشرة". ووصف المدعي العام الفيدرالي جون كيش (Jon Kisch) المواد في جلسة الإفراج بكفالة بأنها "مقلقة" و"سلوك إجرامي بالغ الخطورة"، قائلاً إنها قد تعرّضه لعقوبة سجن طويلة في حال الإدانة. وأنكر دينيس خلال استجوابه من قبل الشرطة حيازته مواد إساءة للأطفال، لكنه لم يدخل قط في إجراءات المرافعة الرسمية. ومُنح دينيس الإفراج بكفالة بشروط صارمة، وعُثر عليه متوفّياً في منزله بمنطقة الغرب الداخلي لسيدني بعد أقل من ثلاثة أسابيع.
ولم تنهِ وفاة دينيس التحقيق. وأفادت هيئة الإذاعة الأسترالية بأن "عملية كوينزتاون" (Operation Queenstown) المشتركة بين الشرطة الأسترالية والكمبودية تتقدّم بهدوء على مدار العام، حيث تتفحّص شبكة العلاقات التمويلية التي بناها دينيس داخل Sunrise وخارجها. وقالت شابة كمبودية تعرّفت على دينيس عبر Sunrise للهيئة: "أريد أن أعرف ما حدث، هل هو حقيقي، لماذا حدث، وماذا حدث بالضبط — لا أعرف".
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.