انفجار في الرياض يكشف الذاكرة الانتقائية للغرب
أوقع الهجوم الذي شنّه الحوثيون في أكتوبر/تشرين الأول 2026 على مطار الملك خالد الدولي في الرياض 14 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، وأدى إلى قفزات في أسعار النفط العالمية وإلى إثارة نقاشات في واشنطن حول التدخل العسكري المباشر. تصوغ الرواية السائدة في الغرب هذا الحدث باعتباره أزمة طارئة غير قابلة للقبول، لكنها تحافظ على صمت هيكلي تجاه الكلفة المدنية التراكمية الناجمة عن قصف التحالف الذي تقوده السعودية للسنين على مدى سنوات بأسلحة غربية. وتشير المقالة إلى أن من يمسك بخيار الخطوة التالية حقيقة هو واشنطن — ف
أوقع الهجوم الذي شنّه الحوثيون في عطلة نهاية الأسبوع من أكتوبر/تشرين الأول 2026 على مطار الملك خالد الدولي في الرياض 14 قتيلاً وأكثر من 300 جريح، وهو، بحسب ما نقلته دويتشه فيله استناداً إلى بيانات سعودية رسمية، الأشد فتكاً داخل الأراضي السعودية منذ عقد. وكانت هذه المأساة كافية لحمل الرئيس الأمريكي ترامب على التصريح علناً بأنه «ينظر في» الانضمام إلى العمليات العسكرية السعودية في اليمن، ودفعت أسعار النفط العالمية للارتفاع بنحو دولارين للبرميل في يوم واحد، وأرغمت الخطوط الجوية القطرية والاتحاد ولوفتهانزا وإير فرانس-كي إل إم وغيرها من شركات الطيران على تعليق رحلاتها من وإلى السعودية.
غير أن الموت لم يكن يوماً متكافئاً.
إن الضربات الجوية المتواصلة التي ينفّذها التحالف الذي تقوده السعودية على اليمن مستمرة منذ سنوات، وأنظمة الاعتراض الرئيسية المستخدمة في منظومته الدفاعية الجوية — بما في ذلك سلسلة باتريوت — تأتي هي الأخرى من على أرفف الأسلحة الأمريكية. ووفقاً لما أوردته دويتشه فيله نقلاً عن وكالة أسوشيتد برس، تحقق السعودية في سبب عدم تقديم منظومتها الدفاعية الجوية إنذاراً مبكراً، بما أتاح للقذائف قطع أكثر من 1000 كيلومتر وضرب الرياض؛ وادعىت إذاعة الحوثيين أنهم استخدموا في الوقت نفسه طائرات بدون طيار كمقدمة، بالتزامن مع صواريخ كروز وصواريخ بالستية اخترقت الدفاعات، حيث ذُكر أن بعض الرؤوس الحربية قادرة على تغيير مسارها أثناء الطيران للتهرب من منظومات مثل باتريوت. هذه تفاصيل تقنية، لكن التقنية ليست يوماً محايدة: حين تأتي كل من الصواريخ المهاجمة والصواريخ المعترضة من سلسلة الإمداد ذاتها، فإن ما يحدد من يكون «آمناً» ومن يكون «مهدداً» هو خيار سياسي.
في الطرف الآخر من ساحة المعركة، طال قصف جوي مؤخراً مصنعاً للملح في حي حامدن في صنعاء، ما أسفر عن قتيل و12 جريحاً، بينهم امرأة وثلاثة أطفال. ووفقاً لما أوردته دويتشه فيله، ألقت وزارة الصحة التي يديرها الحوثيون مسؤولية هذا القصف على التحالف الذي تقوده السعودية، فيما لم تعلّق السعودية. هذه أرقام ضحايا من تاريخ واحد ومدينة واحدة. ولم يتضمن تقرير دويتشه فيله نفسه بيانات عن الخسائر المدنية التراكمية لسنوات من عمليات التحالف — لكن هذا الصمت الهيكلي يسمح للسردية العسكرية القائلة إن «التحالف يضرب الحوثيين» بالحفاظ على مظهرها الأنيق المعهود في وسائل الإعلام الغربية السائدة: من جهة «مكافحة الإرهاب» و«احتواء التهديدات الإقليمية»، ومن جهة أخرى إحصاءات ضحايا مموّهة.
من يمسك بخيار الخطوة التالية حقيقة ليس الرياض، ولا صنعاء، بل واشنطن.
تصريح ترامب بأنه «ينظر في الانضمام» ليس تعبيراً مجرّداً — فهو يعني أن الولايات المتحدة لن تكتفي بأن تكون مورّد أسلحة للحرب التي يقودها التحالف السعودي، بل ستصبح مشاركة مباشرة فيها. ولن تكون النتيجة عزل القدرة العسكرية للحوثيين، بل دفع شبه الجزيرة العربية بأسرها نحو صراع إقليمي أوسع نطاقاً، وزيادة زعزعة سوق الطاقة العالمية التي تتعرض أصلاً لضغوط بسبب الحرب في أوكرانيا. ووفقاً لما نقلته دويتشه فيله، حذر وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز في مؤتمر للطاقة عُقد في الرياض: «لا يمكن اعتبار أمن الطاقة أمراً مسلماً به... إن الأحداث التي وقعت في الأسابيع الماضية خطيرة، ويجب أن تكون استجابتنا بنفس القدر من الخطورة». وينبغي أن تُستخدم هذه الكلمات بالقدر نفسه لاستجواب الحكومات التي تزوّد التحالف بالأسلحة وتصون منظومته الدفاعية الجوية — لكنها لا تُستخدم بهذه الطريقة يوماً.
وسط ضجيج التصعيد، تبدو أصوات الوساطة متحفظة على العكس. ووفقاً لما أوردته دويتشه فيله، أعرب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بقائي عن استعداده لتوفير الوساطة لإجراء حوار بين السعودية والحوثيين: «لا نرغب مطلقاً في استمرار العداوة والحرب بين بلدين إسلاميين». ووفقاً لما أوردته دويتشه فيله، قالت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ إن «الصين تدين الهجمات التي تُسفر عن خسائر بشرية كبيرة، وتعرب عن قلقها الشديد إزاء تصاعد النزاع»، ودعت جميع الأطراف إلى حل خلافاتها عبر الحوار والتفاوض. وهذه العبارات القادمة من طهران وبكين — رغم تباين مصادرها وعدم تطابق مواقفها تماماً — تشير إلى الخيار السياسي الأكثر ندرة حالياً: استبدال المزيد من القنابل بالتفاوض.
رفض التدخل العسكري الأمريكي هو رفض لنظام تشتغل منذ أمد طويل. فالضربات المتواصلة التي ينفّذها التحالف السعودي على أهداف مدنية في اليمن، والمدعومة بمنظومات أسلحة أمريكية وأوروبية، لم تحظ تقريباً في وسائل الإعلام الغربية السائدة ولا في النقاشات البرلمانية بحجم تغطية يتناسب مع حجمها. وحين ينقلب المنطق ذاته على مطار الرياض، تتحوّل السردية على الفور إلى «تهديد السلم والأمن الدوليين».
يجب أن تبدأ أي استجابة جادة بالاعتراف بهذا اللاتكافؤ — بالاعتراف بأن أرواح المدنيين اليمنيين غير قابلة للتصرف شأنها في ذلك شأن أرواح المدنيين في الرياض؛ وبأن نرفض مرة أخرى توسيع المشاركة العسكرية تحت غطاء «الحماية». وإلا فإن «الحدث الخطير» القادم في نشرات الأخبار لن يكون مجرد 14 عنواناً، بل سيكون كارثة أخرى كتبتها معاً أسلحة غربية، وقرارات غربية، وصمت غربي.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.