حظر المملكة المتحدة لواردات المستوطنات يُوصف بأنه "الخطوة الأولى المتأخرة": مبيعات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي لم يُمَسّا، وإسرائيل تردّ بطرد 12 نائبًا
أعلن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي حظر استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية، واتهم إسرائيل بممارسة "التطهير العرقي" في فلسطين. ويرى النقاد أن هذا الإجراء لم يلامس سوى البُعد التجاري، ولم يقوّض التواطؤ العميق بين بريطانيا وإسرائيل في مجال مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري؛ إذ ردت إسرائيل بطرد 12 نائبًا بريطانيًا وإغلاق القنصلية البريطانية في القدس انتقامًا، مما يكشف عن اختلال عميق في موازين القوى بين الطرفين.
أعلن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي في البرلمان في التاسع من الشهر الجاري حظر استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية. ووفقًا لما ذكرته قناة الجزيرة، تُعد هذه السياسة من بين أكثر السياسات الأحادية تشددًا التي تبنّتها لندن في القضية الفلسطينية منذ اعترافها الرسمي بدولة فلسطين العام الماضي.
استخدم لامي في كلمته تعبير "التطهير العرقي" (ethnic cleansing) مباشرةً لوصف تصرفات إسرائيل في فلسطين، وأعاد التأكيد على الموقف الطويل الأمد لحكومة بلاده بأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي. وحذّر من أن السماح بتداول بضائع المستوطنات في السوق البريطانية يعني المساهمة في استمرار منظومة الاحتلال.
وتزامنًا مع التحرّك البريطاني، أعلنت كندا وفرنسا أنهما ستفرضان أيضًا حظرًا على بضائع المستوطنات الإسرائيلية. أما الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وبولندا والبرتغال والسويد فقد تعهّدت "بتأييد مزيد من الإجراءات". ويأتي هذا التنسيق في وقت يتصاعد فيه عنف المستوطنين في الضفة الغربية ويواصل فيه الحكومة الإسرائيلية توسيع المستوطنات.
غير أن النقاد أشاروا إلى أن الحظر لم يلامس سوى السطح التجاري، ولم يقوّض الركائز الأكثر جوهرية في العلاقات البريطانية الإسرائيلية. ووفقًا لما ذكرته قناة الجزيرة، وصف زعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربن الإجراءات العقابية بأنها "تستحق الترحيب لكنها غير كافية إطلاقًا"، وطالب صراحةً بأن "تُنهي المملكة المتحدة جميع مبيعات الأسلحة، وجميع أشكال التعاون العسكري، وكل أشكال التعاون التي تدعم آلية الفصل العنصري والاحتلال والإبادة الجماعية الإسرائيلية". وكان كوربن نفسه ضمن قائمة المشرّعين الذين حظرت إسرائيل دخولهم، حيث أعلن أنه سيواصل "الدفاع عن السلام والحرية والعدل للشعب الفلسطيني".
وكان موقف حزب الخضر أكثر مباشرة. فقد وصف الحزب الإجراءات التقييدية بأنها "الخطوة الأولى المتأخرة" (overdue first step)، ودعا إلى فرض قيود شاملة ومتبادلة على جميع البضائع والخدمات والاستثمارات المتجهة إلى المستوطنات غير القانونية ومنها، وطالب المملكة المتحدة بـ"فرض حظر شامل ومتبادل على الأسلحة، وعقوبات واسعة، وإنهاء التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل". وأعربت زعيمة الحزب كارين بولانسكي، بعد حظر إسرائيل دخولها، بأن حظر دخول نواب حزب الخضر "لا يستدعي قلقنا المفرط، فقد فعلوا الصواب".
وجاء الرد الإسرائيلي سريعًا وحازمًا. ووفقًا لما ذكرته قناة الجزيرة، أعلنت إسرائيل حظر دخول 12 نائبًا بريطانيًا، وأغلقت القنصلية البريطانية في القدس. فالإجراء التجاري الذي وصفه النقاد بأنه "الخطوة الأولى المتأخرة"، والذي استفزّ إجراءات انتقامية حازمة شملت إغلاق بعثات دبلوماسية، يكشف في حدّ ذاته عن اختلال عميق في موازين القوى في العلاقات البريطانية الإسرائيلية.
وتباينت ردود الفعل داخل المملكة المتحدة. فقد شنّت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوش هجومًا في صحيفة "ذا صن" على إجراءات لامي واصفةً إياها بـ"السياسة الاستعراضية"، هدفها "تهدئة نواب حزب العمال والناشطين دون أي اكتراث بعواقبها على المملكة المتحدة"، محذّرةً من أن "إسرائيل شريك أمني واستخباراتي مهم للمملكة المتحدة". وصرّح وزير الخارجية في حكومة الظل توم توجيندهارت بأن "تحويل إسرائيل إلى منبوذة" من شأنه "أن يُفاقم الانقسامات الطائفية والعنف المعادي للسامية داخل المملكة المتحدة". ووصف كبير حاخامات المملكة المتحدة إفراييم ميرفيس إعلان لامي بأنه "يوم مظلم لليهود البريطانيين" (dark day for British Jews)، لن يؤدي إلا إلى "تعزيز التطرّف الذي يستهدفه". أما عضو حزب إصلاح بريطانيا تيس فقد أعلن أن مجلس العموم "ينبعث منه عفن معادٍ للسامية مقزّز".
وصرّحت متحدثة الشؤون الخارجية في حزب الديمقراطيين الأحرار ميلي بأن حزب العمال "تخلى أخيرًا عن المسار المتأخر الذي اتبعه كير ستارمر"، لكنها طالبت الحكومة بـ"التشريع العاجل" لتطبيق الحظر، لضمان "ألا تكون المملكة المتحدة متواطئة في استمرار المستوطنات غير القانونية". ونشرت وزيرة الصحة كوبر على منصة التواصل الاجتماعي X قائلةً: "اليوم، تتّخذ المملكة المتحدة إجراءات ضد المستوطنات غير القانونية وعنف المستوطنين، وتحظى بتأييد واسع النطاق على المستوى العالمي؛ فهذه المستوطنات وهذا العنف يُشكّلان تهديدًا وجوديًا لحل الدولتين". "لا ينبغي لأحد أن يجني أرباحًا من أراضٍ مسروقة".
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.