العالم والأمن

تداعيات حرب إيران: كيف يُحوّل ارتفاع أسعار الوقود طريق أطفال بحيرة تونلي ساب في كمبوديا إلى طريق مسدود نحو المدرسة

حرب إيران في عام 2026 ترفع أسعار النفط العالمية وتلحق أضراراً بالغة بكمبوديا التي تعتمد بشكل كامل على استيراد النفط. أكثر الأسر فقراً في المجتمعات العائمة على بحيرة تونلي ساب تُحاصر بين خيارَي الوقود والتعليم - فإما أن يتغيب الأطفال عن الدراسة، أو يخاطروا بسلامتهم في زوارق صغيرة ومجدافين طويلين في طريقهم إلى المدرسة.

2 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

بحيرة تونلي ساب في كمبوديا، أكبر بحيرة للمياه العذبة في جنوب شرق آسيا. في موسم الأمطار تبتلع مياه البحيرة كل شيء، وتطفو قوارب الصيد وقوارب المدارس وأكواخ على الماء مكونة قرى مؤقتة. سوكسان سيت (Soksan Set) ذو الـ12 عاماً يغادر منزله كل صباح باكراً ويستقل قارباً إلى المدرسة القروية على بعد عدة كيلومترات. لكن في الوقت الحالي، لم تعد المسافة هي ما يحول بينه وبين الفصل، بل سعر البنزين.

وفقاً لما أوردته DW، فمنذ اندلاع حرب إيران في عام 2026، ارتفعت أسعار الوقود العالمية بشكل حاد. هذا الصراع العسكري البعيد آلاف الأميال يضغط بأكثر الطرق مباشرة وقسوة على أفقر شرائح المجتمع الكمبودي - المجتمعات العائمة على بحيرة تونلي ساب.

نقلت DW عن بيانات البنك الدولي أن أسعار البنزين في كمبوديا ارتفعت بنسبة 45% في شهر مارس من هذا العام، في حين تجاوز ارتفاع الديزل 70%، وهو أكبر ارتفاع شهري منذ عام 2008. وتشير بيانات موقع Global Petrol Prices إلى أن سعر التجزئة للبنزين في كمبوديا بلغ حالياً 5700 ريل للتر الواحد (نحو 1.41 دولار أمريكي)، بارتفاع نسبته 26.7% مقارنة بـ4500 ريل قبل عام.

لا تمتلك كمبوديا أي قدرة تكرير نفط محلية، إذ تعتمد كلياً على استيراد جميع المنتجات النفطية. وهذا يعني أنه بصرف النظر عن مكان اندلاع الصراع على الأرض، فإن أي تقلبات في أسعار النفط والإمدادات الإقليمية ستُلقي بضغطها فوراً على محطات الوقود ودفاتر الأسر في هذه الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا.

وفقاً لما أفادت به DW، فقد أطلقت الحكومة الكمبودية إجراءات مثل خصومات الوقود والإعفاءات الضريبية والتعريفة الجمركية الصفرية على الواردات، في محاولة لتخفيف صدمة ارتفاع أسعار النفط العالمية. غير أنه بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود وغير المستقر أصلاً، فإن الدعم لا يكفي لتغطية الاحتياجات.

وتُعد الأسر المعتمدة على صيد الأسماك في بحيرة تونلي ساب من الأكثر تضرراً. إذ قال والد سوكسان، سيت سوم (Set Soeum) ذو الـ41 عاماً، لـDW: "ما إن يرتفع سعر البنزين حتى لا نملك المال لإرسال أطفالنا إلى المدرسة في مواعيدهم. كما أن كمية الأسماك التي نصطادها قليلة، فنحن نحتاج يومياً نحو ثلاثة لترات من البنزين لمجرد الصيد." أما طريقة تعامل الأطفال فتتميز بنوع من العقلانية المؤلمة. يقول سوكسان: "نتشارك أنا وأربعة من زملائي في شراء البنزين، وأحياناً نشتري لتراً واحداً فقط في المرة. وحين لا نستطيع شراءه، نقذف القارب بأنفسنا ونجدف ساعة كاملة من أجل الذهاب إلى المدرسة."

تستغرق سيين لي (Siyien Ly) ذات الـ12 عاماً أكثر من نصف ساعة مشياً على الأقدام للوصول إلى مدرستها في موسم الجفاف، ولا تجد أمامها سوى القوارب المدرسية المدعومة بالمساعدات حين تغمر الفيضانات الطرق. تقول: "البنزين يواصل الارتفاع، لكننا نواصل الذهاب إلى المدرسة لأن التعليم مهم لمستقبلنا." أما والدتها، كونثيا تشين (Kunthea Chin)، فتعول اليوم أسرة مكوّنة من ستة أفراد ببيع عصير قصب السكر، حيث تقلص دخلها اليومي من نحو 20 دولاراً إلى 10 دولارات، فيما ينفق نحو 150 دولاراً شهرياً على الوقود وحده.

التكلفة الأكثر خفاءً تقع على المدارس العائمة ذاتها. يقول سامفورس فورن (Samphors Vorn)، المدير القطري لـAction Education في كمبوديا، لـDW: "بالنسبة للأطفال الذين يعيشون في المجتمعات العائمة والمناطق النائية، فإن شرط تلقي التعليم لا يكفي أن تكون هناك مدرسة، بل يجب أن يكونوا قادرين على الوصول إليها. وحين يرتفع سعر الوقود، ترتفع معه تكلفة التنقل. وبالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود للغاية، فإن المواصلات تصبح عقبة تحول دون الحضور، وتتحول في نهاية المطاف إلى حرمان للأطفال من حقهم في التعليم."

وتجعل أزمة المناخ هذه المعادلة الحسابية أكثر تعقيداً. ووفقاً لما استعرضته DW في تقارير سابقة، فقد تناولت المنطقة في العام الماضي كيفية إثارة تغير المناخ لاضطرابات في تعليم أطفال المجتمعات العائمة - إذ إن تقلبات منسوب المياه، والأحوال الجوية القاسية، ومخاطر السفر بالقوارب، تجعل جميعها طريق المدرسة أكثر وعورة. واليوم، يتراكب ارتفاع أسعار الوقود مع صدمات المناخ ليُشكّلا عبئاً مزدوجاً.

ناري (Nary) ذات الـ14 عاماً غادرت الفصل بالفعل. فهي غير قادرة على العودة إلى المدرسة بسبب صداع مستمر يُشتبه في أنه ناجم عن آثار التهاب السحايا. يقول والدها، الصياد تيت سارين (Tit Sarin)، لـDW: "حين لا نستطيع تحمل تكاليف الوقود، لا يبقى أمامنا سوى البحث عن عمل آخر." فهو يكسب نحو 7.5 دولارات يومياً من الصيد، لكن تكلفة الوقود لرحلة صيد واحدة بعيدة على البحيرة تستهلك نحو 6.6 دولارات. وعندما يعجز عن تحمل التكلفة، تضطر الأسرة بأكملها إلى العمل بأجر يومي، حيث لا تكسب سوى نحو 25 سنتاً عن كل كيلوغرام من الفلفل الحار.

وتكشف محنة كمبوديا عن بنية غالباً ما يتم تجاهلها: حين تدفع الحروب أسعار النفط إلى الارتفاع، فإن من يتحمل الثمن ليس عادةً أطراف الصراع، بل تلك الدول والمجموعات البشرية الأبعد عن ساحة القتال والأعجز عن تحويل التكاليف. فالأطفال العائمون على بحيرة تونلي ساب لم يخيروا في شن الحرب، لكنهم يدفعون ثمنها.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.