ثمن الوجود الأمامي للقوات الأمريكية: كيف انزلق الأراضي الأردنية إلى مرمى الصواريخ الإيرانية
أطلق حرس الثورة الإيراني خلال ليلة واحدة 20 صاروخاً بالستياً على قاعدة الأزرق الجوية داخل الأراضي الأردنية، فيما أعلن الجيش الأردني اعتراض 18 منها. تُعدّ هذه القاعدة التي تحتضن مقاتلات F-35 وF-16 وF-22 أبرز المواقع الأمامية ضمن منظومة انتشار نحو 4000 جندي أمريكي في الأردن، وهو ما دفع عمّان إلى الواجهة في صدارة المواجهة الأمريكية الإيرانية.
أعلنت القوات المسلحة الأردنية يوم الأربعاء أن حرس الثورة الإيراني أطلق خلال ليلة واحدة 20 صاروخاً بالستياً على قاعدة Muwaffaq Salti الجوية (مُوَفَّق السلطي) الواقعة في الصحراء الشرقية للبلاد، مؤكدة أن الجيش الأردني تمكّن من اعتراض وتدمير 18 منها، فيما سقط الصاروخان المتبقيان في مناطق مفتوحة دون أن يُسفرا عن أي إصابات بشرية. ووفقاً لما أوردته قناة الجزيرة، فإن هذا الهجوم يُمثّل بداية توسّع نطاق الضربات الإيرانية ليشمل أهدافاً داخل الأراضي الأردنية في إطار تصعيد جولة المواجهة الأمريكية الإيرانية الراهنة.
تستضيف هذه القاعدة، التي تبعد نحو 100 كيلومتر عن عمّان، واحدة من أكثر الأصول الأمامية حساسية للقوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وقالت المحاضرة في كلية كينغز لندن لدراسات الحرب تهاني مصطفى لشبكة الجزيرة إن قاعدة الأزرق تُعدّ "واحدة من القلائل التي تتشارك في استضافة مقاتلات F-35 وF-16 وF-22 في آن واحد"، وإن "بإمكان القوات الأمريكية إخفاء أصولها داخل هناجرها، وهو تحديداً ما استهدفته الضربة الإيرانية". ووفقاً لتقرير صادر عام 2026 عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، ينتشر في الأراضي الأردنية ما يقرب من 4000 جندي أمريكي؛ وتسمح اتفاقية التعاون الدفاعي الموقّعة بين عمّان وواشنطن عام 2021 للقوات الأمريكية والمتعاقدين معها بدخول 12 منشأة عسكرية داخل الأردن.
شهد هذا الصراع تصعيداً مفاجئاً قبل أسبوعين، حين بادرت القوات الأمريكية إلى تنفيذ ضربات على منصّات إطلاق الصواريخ في جزيرة لاراك الإيرانية بمضيق هرمز، مبررةً ذلك بأن إيران كانت تستعد لاستخدام هذه المنصات في زرع ألغام في المضيق. ثمّ وسّعت إيران نطاق ضرباتها لتشمل دول الخليج المجاورة، قبل أن تتّجه صوب الأردن في تطور جديد. وأوضح الباحث في معهد واشنطن ديفيد شنكر في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس أن الأردن "يوفّر عمقاً استراتيجياً هائلاً"، وأن موقعه "بالغ الأهمية" للحرب الأمريكية على إيران، إذ يبتعد جغرافياً عن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية مقارنة بدول الخليج الأقرب إلى إيران.
غير أن هذا "العمق الاستراتيجي" يعني بالنسبة للأردن أن أراضيه باتت خط المواجهة الأمامي تحت مسارات الصواريخ. ووفقاً لإحصائيات شبكة الجزيرة، أعلنت طهران منذ مارس/آذار الماضي مسؤوليتها عن أكثر من 10 ضربات على قاعدة الأزرق. ففي أوائل مارس/آذار، نفّذت إيران أوّل غارة جوية على القاعدة؛ وفي 10 يونيو/حزيران، أعلن حرس الثورة الإيراني أن صواريخه بعيدة المدى "دمّرت" هناجر ومراكز قيادة داخل القاعدة، في حين أكد الجانب المتضرّر أن جميع المقذوفات الواردة تم اعتراضها دون تسجيل إصابات. أما أعنف هذه الضربات فوقع في 17 يوليو/تموز، حين أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن هجوماً بالصواريخ البالستية والمسيّرات الإيرانية في ذلك اليوم أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين وفقدان ثالث وإصابة أربعة آخرين.
تتعارض رواية إيران بشأن نتائج العملية بشكل حاد مع الرواية الأمريكية والأردنية. فقد زعم حرس الثورة الإيراني أن أحدث جولة من الضربات "دمّرت مواقع الصيانة والتجهيز والانطلاق لمقاتلات F-35 وF-16 وF-15 إضافة إلى هناجرها، وألحقت أضراراً جسيمة بالعدو". في المقابل، صرّح مسؤول في إدارة ترامب لشبكة الجزيرة بأن الإطلاق الصاروخي الجماعي "لم يُسفر عن أي إصابات"، وأن "الرد الإيراني لم يكن فاعلاً أمام منظومة الدفاع الجوي والدرع الصاروخي المتكاملة". وحتى الساعة، لا تتوفر جهة مستقلة للتحقق من حجم الأضرار الفعلية.
يعيش الأردن وضعاً مشحوناً بالتوترات في خضم هذا الصراع. فقاعدة الأزرق، التي تحمل اسم الملازم مُوَفَّق السلطي، الطيار الأردني الذي قُتل في معركة السموع عام 1966 خلال القتال ضد إسرائيل، باتت تستضيف اليوم قوة جوية موجّهة نحو قوة إقليمية كبرى أخرى. وأشارت تقارير شبكة الجزيرة إلى أن الأراضي الأردنية تضمّ أيضاً قاعدة الملك فيصل الجوية في الجنوب، إضافة إلى موقع البرج 22 (Tower 22) النائي في أقصى الجنوب الشرقي قرب الحدود السورية العراقية، وهو موقع لوجستي أمامي للقوات الأمريكية.
في عام 2017، خصّص الكونغرس الأمريكي 143 مليون دولار من أموال البناء لصالح القوات الجوية لتوسعة مساحة مهابط الطائرات في قاعدة الأزرق، في مشروع وُصف بأنه الأكبر من نوعه في حينه. ووفقاً لتقرير صدر عام 2023 عن خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي ونقلته شبكة الجزيرة، فإن القواعد الجوية الأردنية "تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للمهام الأمريكية في مجال الاستخبارات والمراقبة واستهداف الأهداف والاستطلاع في سوريا والعراق". كما أشار التقرير إلى أن واشنطن "لم تعترف رسمياً قطّ بوجود قواتها في قاعدة مُوَفَّق السلطي الجوية قبل اتفاقية عام 2021"، على الرغم من أن "صور الأقمار الاصطناعية تُظهر وجود طائرات بدون طيار ومقاتلات سريعة تابعة لسلاح الجو الأمريكي في القاعدة منذ عام 2016".
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في يوليو/تموز أن جزءاً من القوات الأمريكية التي كانت متمركزة في البحرين والإمارات وقطر قد أُعيد انتشارها إلى الأردن في المراحل الأولى من الحرب الأمريكية الإيرانية، إذ أصبحت هذه الأصول هشّة للغاية داخل مدى دول الخليج، لتبحث اليوم عن ملاذ داخل الأراضي الأردنية، غير أن ثمن هذا الملاذ كان دفع المملكة الهاشمية إلى مرمى الصواريخ الإيرانية.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.