"طريق الحرير الجليدي" يُبحر لأول مرة إلى بريطانيا: العقوبات تُعيد تشكيل التجارة العالمية، ورغبة واشنطن في جرينلاند تُشعل التنافس على الممرات القطبية
انطلقت سفينة الحاويات الصينية "برج خليفة" من ميناء نينغبو-تشوشان، وقطعت ممر البحر الشمالي الروسي في 25 يوماً للوصول إلى ميناء تيز البريطاني، لتُصبح أول خط حاويات منتظم بين الصين وأوروبا. ورغم أن هذا الممر، المعروف بـ"طريق الحرير القطبي"، يُختصر مدة الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو النصف، فإنه يعتمد بشكل كبير على كاسحات الجليد الروسية ويخضع لقيود موسمية. ويشير محللون إلى أن العقوبات الغربية تدفع الصين وروسيا نحو تعاون أوثق في القطب الشمالي، في حين يكشف تكرار سعي إدارة ترامب وراء جرينلاند عن نوايا واش
أبحرت سفينة الحاويات "برج خليفة" التي تُديرها شركة هايلينغ الصينية للشحن من ميناء نينغبو-تشوشان في 15 أغسطس، ووصلت إلى ميناء تيز البريطاني بعد 25 يوماً من الإبحار عبر ممر البحر الشمالي الروسي، وذلك بحسب ما أفادت به هيئة الإذاعة الأسترالية. وكانت السفينة تحمل نحو 1500 حاوية، تشمل معدات تخزين الطاقة والبطاريات الكهربائية والوحدات الكهروضوئية، مما يُمثل الإطلاق الرسمي لأول خط حاويات منتظم موسمي يربط الصين بأوروبا. ويُطلق على هذا الخط اسم "طريق الحرير القطبي"، ومن المقرر أن يُكمل ثماني رحلات بين أغسطس وأكتوبر من هذا العام.
يمتد ممر البحر الشمالي على طول الساحل القطبي الروسي، مروراً ببحر كارا وبحار سيبيريا وصولاً إلى مضيق بيرينغ. وبالمقارنة مع المسارات التقليدية عبر مضيق ملقا وقناة السويس، يُختصر هذا المسار زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو النصف. وأشار إدوارد ريس جونز، الباحث في جامعة أكسفورد، إلى أن الممر "لا يُبحر فيه إلا خلال فترة قصيرة في ذروة فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي"، وحتى مع احترار القطب الشمالي بثلاثة إلى أربعة أضعاف المتوسط العالمي، "فإن المنطقة ستحتاج إلى عقود قبل أن تصبح خالية من الجليد بشكل موثوق على مدار العام".
يرتبط ظهور هذا المسار المختصر ارتباطاً وثيقاً بإعادة العقوبات الغربية تشكيل المشهد التجاري العالمي. وذكر تقرير صادر عام 2025 عن المعهد الدنماركي للدراسات الدولية أنه منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، دفعت العقوبات موسكو وبكين نحو مسار تعاون أوثق، وتعمق تعاونهما في منطقة القطب الشمالي تبعاً لذلك. وحلل جونز قائلاً: "تدرك الصين أن الاعتماد على خطوط الشحن الرئيسية في المحيطين الهادئ والهندي التي تهيمن عليها الولايات المتحدة للتجارة بين آسيا وأوروبا يُمثل نقطة ضعف قاتلة". ومن وجهة نظره، فإن "خسارة الصين في التعاون مع روسيا لتحقيق هذه الأهداف أقل من خسارة الدول الأخرى".
غير أن الاعتماد على مستوى التشغيل يظل بارزاً. إذ يعتمد ممر البحر الشمالي بشكل كبير على الدعم الروسي، إذ تحتاج معظم السفن إلى مرافقة كاسحات الجليد الروسية، وهو ما يستلزم إجراءات ترخيص صارمة وتكاليف تشغيل مرتفعة. وكشف الدكتور إدوارد تشين من الجامعة الوطنية الأسترالية أن روسيا ظلت "في حالة تأهب شديد" إزاء توسع حضور بكين في القطب الشمالي، وقد قاومت في وقت ما منح الصين صفة المراقب في مجلس القطب الشمالي للحفاظ على هيمنتها. وأضاف جونز أن الطغرافية القطبية المتطرفة تعني أنه حتى مع ضمانات اتفاق البحث والإنقاذ في القطب الشمالي، تبقى السفن عُرضة بشكل خاص للكوارث البحرية.
في الوقت نفسه، تسعى الولايات المتحدة إلى دخول المعادلة القطبية من الجانب الآخر. وأشار الدكتور تشين إلى أن: "الدوافع الأمريكية، باعتبارها إحدى الدول الخمس في القطب الشمالي، لا تقتصر على موازنة روسيا والصين، بل تشمل أيضاً تطوير مصالحها التجارية الخاصة في الشحن عبر ممر الشمال الغربي على طول ألاسكا وعبر شمال المحيط الأطلسي". وأضاف أن: "طموحات واشنطن الأوسع، بما في ذلك تكرار إدارة ترامب التعبير عن اهتمامها بجرينلاند، تعكس نية استراتيجية للسيطرة على الممرات القطبية الغربية الناشئة وضمان البنية التحتية القطبية الحيوية".
تبقى فجوة الحجم شاسعة. فوفقاً لإحصائيات جامعة نورد النرويجية، لم يُكمل ممر البحر الشمالي في عام 2025 سوى 103 رحلات كاملة بحجم شحن يقارب 3.2 مليون طن، وكانت الغالبية العظمى من الرحلات بين الصين وروسيا؛ وفي الفترة نفسها، شهدت قناة السويس عبور 12758 سفينة بحمولة صافية بلغت 522.1 مليون طن.
وتبقى المخاوف المناخية حادة بالمثل. وتُظهر بيانات تحالف القطب الشمالي النظيف أن الشحن لا يُمثل سوى نحو 2% من انبعاثات الكربون الأسود في القطب الشمالي، إلا أن تأثيره الاحتراري غير متناسب وضخم. ويمكن للكربون الأسود المنبعث من السفن أن يبقى في الغلاف الجوي السفلي لمدة تصل إلى أسبوعين، ممتصاً الحرارة؛ وعندما يستقر على أسطح الجليد والثلج، يمكن أن يتضخم تأثيره الاحتراري من سبعة إلى عشرة أضعاف، إذ يُخفض الكربون الأسود من انعكاسية الجليد والثلج، مما يسمح بامتصاص مزيد من الحرارة ويُسرع ذوبان الجليد القطبي. وخلصت دراسة صينية نُشرت عام 2025 في مجلة "نيتشر كومينيكشنز" إلى أن القطب الشمالي قد يصبح، في حال ارتفاع حجم الشحن الإجمالي، واحداً من أكبر خمس بقع ساخنة لانبعاثات الشحن عالمياً. وفي عام 2019، وقّعت شركات الشحن العالمية الكبرى، بما في ذلك CMA CGM و MSC و Hapag-Lloyd، على ميثاق شركات الشحن في القطب الشمالي، وتعهدت بتجنب المسارات القطبية خوفاً على النظام البيئي الهش في المنطقة.
وحذر جونز من أنه رغم أن تقليص مدة الرحلة يُحقق ميزة خفض الانبعاثات لكل رحلة، فإن العيوب "لا تُحصى": "تواجه النظم البيئية مخاطر عالية من تسرب النفط والتلوث والاضطرابات الصوتية"، و"إن الطبيعة النائية للمسار تعني أن أساليب التنظيف التقليدية ستكون صعبة للغاية".
وفي الشهر الماضي، بدأت كوريا الجنوبية أيضاً تجارب إبحار على خطوط حاويات عبر ممر البحر الشمالي إلى بريطانيا، لكن هذا الترتيب يتطلب التعاون الروسي. ويرى محللون أنه في ظل استمرار المد والجزر بين العقوبات والإجراءات المضادة، قد يؤثر هذا التحرك على مسار علاقات سيول مع حلفائها الغربيين. ومن "طريق الحرير القطبي" إلى جزيرة جرينلاند، ومن مرافقة كاسحات الجليد إلى ترسب الكربون الأسود، يتحول القطب الشمالي من هامش الشحن العالمي إلى طليعة المنافسة بين القوى الكبرى.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.