السلطة والسياسة

الـ"ضحية" الذي حكم 18 عامًا: كيف يستخدم نتانياهو الخطاب الشعبوي لقطع المساءلة

قبل الانتخابات البرلمانية الثالثة عشرة الوشيكة، يفعّل نتانياهو مجددًا نصّه الشعبوي المتمرس: نقله بشكل منهجي لمسؤولية إخفاقات الأمن الداخلي وحرب غزة ومحاكمات الفساد الجارية إلى ما يُسمى بـ"الدولة العميقة" ووسائل الإعلام والجهاز القضائي. ووفقًا لتحليل قناة الجزيرة، فإن رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل، من خلال تطعيم ذاكرة المعاناة اليهودية التاريخية بضغينة النخبة لدى جماعات المزراحي، يصوّر نفسه كضحية للنظام، مما يخلق جدارًا سرديًا للحماية من المساءلة — أما الثمن الذي يقع تحت نقطة الانقطاع

3 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

عشية الانتخابات البرلمانية الثالثة عشرة الوشيكة في إسرائيل، يفعّل بنيامين نتانياهو مجددًا سلاحه السياسي الأكثر براعة — تصوير نفسه كضحية للنظام. ووفقًا لما ذكرته قناة الجزيرة، فإن رئيس الوزراء هذا، الذي حكم لمدة إجمالية تقارب 18 عامًا وتولى قيادة الحكومة الإسرائيلية في ثلاث فترات منفصلة، ينقل بشكل منهجي مسؤولية إخفاقات الأمن الداخلي وحرب غزة ومحاكمات الفساد المستمرة حتى الآن إلى ما يُسمى بـ"الدولة العميقة" ووسائل الإعلام والجهاز القضائي. إن الوظيفة الأساسية لهذا الخطاب ليست استدرار التعاطف، بل قطع سلسلة المساءلة: فالحاكم طويل الأمد، من خلال تحويل نفسه إلى ضحية، ينأى بنفسه عن المحاسبة التي ينبغي أن تقع على عاتقه.

خلال الأسبوع الماضي، تكثَّف عرض هذا النص. فقد أفادت قناة الجزيرة نقلًا عن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية بأن الإمارات حذّرت نتانياهو مسبقًا من أن حماس تعتزم شنّ هجوم. ولم يكن رد نتانياهو تأمُّلًا، بل رفع إجراءات قانونية، واتهم التقرير نفسه بعدم الشرعية بحجة "التدخل الأجنبي" في الانتخابات. وقبل ذلك ببضعة أيام فقط، أشرف على إطلاق إعلان سياسي يصوّر نفسه كطفل مُعتدًى عليه: الطفل يتقوقع تحت حصار زملائه، والشعارات التي يرفعها المعتدون مكتوب عليها "المهم ألّا يكون بيبي". وفي وقت سابق من هذا الشهر، ذهب إلى أبعد من ذلك مدعيًا أنه خلال الساعات الأولى من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اختار "مسؤولو الدفاع" عمدًا عدم إيقاظه، وإلا لأمكن إحباط الهجوم. أما زوجته سارة، فقد ألمحت الشهر الماضي على القناة 14 الموالية للحكومة إلى أن زعيم المعارضة والجنرال السابق يائير غولان سارع إلى الوصول إلى موقع الهجوم فورًا، مما يدل على علمه المسبق بخطط حماس.

تتوجه هذه الاتهامات نحو اتجاهات مختلفة، لكنها تشترك في المنطق ذاته: تحويل المسؤولية السياسية التي ينبغي أن يتحملها صاحب السلطة الأعلى إلى كشف لـ"التواطؤ العميق".

لهذا الخطاب أسباب اجتماعية محددة تجعله فعّالًا. فقد حلّل داني فيلك، الأستاذ الجامعي في جامعة بن غوريون الإسرائيلية، في كتابه "الهيمنة والشعبوية في إسرائيل"، قائلًا: "الشعبوية تقوم على سردية الشعب الضحية." وأوضح لقناة الجزيرة أن تصرف نتانياهو كضحية يتجاوب مع امتلاك كثير من أنصار حزب الليكود ذاكرة جماعية عن التهميش أو حتى القمع من قِبل نخبة يهودية أشكنازية (من أصل أوروبي) في الغالب، كما يستغل الذاكرة الجماعية اليهودية كضحية. بمعنى آخر، يُطعَّم هذا السرد على ذاكرتين تاريخيتين — تشمل الأولى ذاكرة معاناة الشعب اليهودي تاريخيًا، وتشمل الثانية الضغينة المتراكمة لدى أحفاد المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (يهود المزراحي) تجاه هيمنة النخبة الأشكنازية في السنوات الأولى لتأسيس الدولة.

أما نيتا أورين، عالمة النفس السياسي الإسرائيلي في جامعة جورج ماسون، فقد أشارت إلى مفارقة أعمق. وقالت لقناة الجزيرة: "طوال سنوات، صوّر نفسه على أنه ممثل 'الشعب' في مواجهة النخبة. الشعبوية فعّالة بشكل خاص في صفوف المعارضة، لكن ماذا يحدث عندما تصبح رئيس الوزراء الأطول خدمة في تاريخ إسرائيل؟ حل نتانياهو هو إلقاء اللوم على قوى أخرى — لا سيما 'الدولة العميقة' — وتصوير نفسه ضحية لها."

يمثل هذا الموقف المتناقض المتمثل في "حاكم طويل الأمد يدّعي في الوقت ذاته أنه ضحية للنظام" عرضًا نموذجيًا للسياسة الشعبوية المعاصرة. وقد صرح دانييل بار-تال، أستاذ علم النفس في جامعة تل أبيب، لقناة الجزيرة قائلًا: "نتانياهو يتوق إلى مكانة الضحية. إنه يلوم الدولة العميقة التي بناها بنفسه، والمسؤولين الكبار الذين عيّنهم بنفسه... فقط ليتنصل من المسؤولية ولا يتحمل أي مسؤولية. أن تكون ضحية له فوائد كثيرة. يمكنك أن تكون جلّادًا، يمكنك التحرر من المعايير الأخلاقية وما إلى ذلك." وعندما يصف صاحب القرار الأعلى — الذي يقود في الوقت ذاته إصلاحًا قضائيًا ويعيّن كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين ويقرر مسار حرب الدولة — إخفاقاته بأنها نتاج "خيانة من النظام"، فإنه ينجز في الواقع انقلابًا دقيقًا في السلطة — الجلّاد يصبح ضحية، والمسؤول عن المساءلة يصبح هو ذاته من يمارس المساءلة.

ثمن هذا الانقلاب ثنائي. فمن جهة، يمكّن نتانياهو من إعادة ترميز الإجراءات القانونية والدستورية — في سياق محاكمات الفساد الجارية منذ عام 2020، وعمليات الإصلاح القضائي المنتقدة على نطاق واسع باعتبارها تقوّض ضوابط السلطة — باعتبارها قمعًا لـ"الدولة العميقة" للإرادة الشعبية. ومن جهة أخرى، يجعل من الصعب تحويل أخطاء الحكومة في قرارات الأمن الداخلي والحرب إلى ملاحقة سياسية للحاكم.

في الإطار التقريري لقناة الجزيرة، يُتهم نتانياهو بأنه أشرف على "إبادة جماعية" في غزة — وهو تعبير يتفق مع الدعاوى القضائية ذات الصلة المعروضة أمام محكمة العدل الدولية. وبغض النظر عن الحكم النهائي في هذا التوصيف القانوني، فإن حقيقة يمكن التحقق منها بشكل مستقل هي أنه في الوقت الذي ينصبّ فيه نتانياهو في موقع الضحية وينشغل بتخفيف الضغوط السياسية الداخلية، تستمر العمليات العسكرية في غزة ويتواصل تراكم خسائر المدنيين.

ليست سردية الضحية عند نتانياهو ظاهرة منعزلة. فقد استخدم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدرجات متفاوتة، استراتيجيات خطابية مماثلة، فمن خلال اتهام "النخبة" أو "القضاء" أو "القوى الأجنبية"، يربطون الحاكم بـ"الشعب الحقيقي" ويبنون جدار حماية ضد المساءلة المؤسسية. وفي السياق السياسي الإسرائيلي، تتراكم هذه السردية على قاعدة المعاناة اليهودية التاريخية والذاكرة الجماعية للمزراحي، مما يمنحها قوة تعبئة عاطفية أشد.

عندما يعرض صانع القرار الأعلى — الذي يقود عملية عسكرية تتسبب في خسائر مدنية واسعة النطاق — نفسه في إعلان انتخابي بصورة "طفل مُعتدًى عليه"، ويطلب من الناخبين أن ينضموا إليه في مواجهة "الدولة العميقة"، فإن الثمن الواقع تحت نقطة الانقطاع يتحمله أولئك الذين لا يمكنهم التصويت ولا الدخول إلى السردية.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.