العالم والأمن

بريطانيا تتخذ إجراءات استعراضية ضد واردات المستوطنات، في حين تتدفق عقود عامة بقيمة 2.1 مليار جنيه إسترليني إلى شركات مرتبطة بها

يتهم وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إسرائيل بارتكاب "تطهير عرقي" في فلسطين، ويعلن حظر استيراد البضائع من المستوطنات الإسرائيلية. غير أن تحقيقاً لقناة الجزيرة كشف أن القطاع العام البريطاني منح أكثر من 2.1 مليار جنيه إسترليني (نحو 2.8 مليار دولار) عقوداً لـ 17 شركة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، من بينها وحدها شركة Airwave Solutions التابعة لشركة Motorola Solutions الأمريكية بعقد قيمته 1.562 مليار جنيه إسترليني. وتكشف الفجوة بين الحظر الرمزي والمصالح التجارية الضخمة التصدع بين ا

2 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

اتهم وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي في كلمة ألقاها مؤخراً أمام البرلمان إسرائيل بارتكاب "تطهير عرقي" (ethnic cleansing) في فلسطين، معلناً حزمة من الإجراءات ضد المستوطنات الإسرائيلية، كان أبرزها حظر استيراد البضائع من تلك المستوطنات. غير أن تحقيقاً أجرته قناة الجزيرة كشف أن القطاع العام البريطاني منح 17 شركة مرتبطة بمستوطنات إسرائيلية غير قانونية عقوداً تجاوز قيمتها 2.1 مليار جنيه إسترليني (نحو 2.8 مليار دولار)، من بينها وحدها شركة Airwave Solutions، التابعة البريطانية لشركة Motorola Solutions الأمريكية، التي تحوز عقداً مع وزارة الداخلية البريطانية بقيمة 1.562 مليار جنيه إسترليني، لتوفير شبكات الاتصالات الآمنة لخدمات الشرطة والإطفاء والإسعاف في إنجلترا واسكتلندا وويلز.

إن النطاق الفعلي لحظر الاستيراد محدود للغاية. فقد أفادت قناة الجزيرة، نقلاً عن بيانات الحكومة البريطانية، بأن إجمالي التجارة البريطانية في السلع والخدمات مع إسرائيل بلغ نحو 6 مليارات جنيه إسترليني في عام 2025. وفي حين اقتصرت الواردات البريطانية المسجلة بوصفها "فلسطينية" على نحو 6 ملايين جنيه إسترليني خلال الأرباع الأربعة الأخيرة المنتهية في مارس/آذار 2026، فإن هذا الحجم، حتى لو جاء بالكامل من المستوطنات، لا يمثل سوى نحو 0.1% من إجمالي التجارة البريطانية الإسرائيلية.

وثمة عائق أكبر يتمثل في التحديد والإنفاذ. فقد أشار تقرير "استيراد الاحتلال" الذي أصدره مركز Global Echo Litigation Center في يونيو/حزيران 2026، وتستشهد به قناة الجزيرة، إلى أن نحو سدس شحنات المنتجات الطازجة المتجهة من إسرائيل إلى أوروبا والتي تم فحصها احتوى على منتجات مصدرها المستوطنات، وهي سلع غالباً ما تُدمج في سلاسل الإمداد الإسرائيلية وتُوسم بوصفها منتجات إسرائيلية. ولم تكشف الحكومة البريطانية بعد عن آلية إنفاذ محددة لحظر الاستيراد الجديد، كما لم ترد على استفسارات قناة Jazeera بشأن كيفية التمييز بين المنتجات الإسرائيلية الأصلية ومنتجات المستوطنات والمنتجات الفلسطينية.

وتترك التدابير الجديدة فجوة واضحة بذاتها. فقد أفادت قناة الجزيرة بأن "الخدمات" لم تُدرج ضمن نطاق الحظر الأولي، وبالتالي لن تتأثر تلقائياً خدمات المال والتأمين واللوجستيات والخدمات القانونية والسياحة. وفي الوقت نفسه، لا يخضع صادرات بريطانيا إلى المستوطنات، التي تشكل الجزء الأكبر من التجارة الثنائية، لأي قيود بموجب الحظر.

والأكثر أهمية من الناحية الجوهرية هو ما يسمى "السلطة المعيارية" (designation power) التي تعتزم الحكومة استحداثها، لاستهداف الأفراد والشركات الذين "يدعمون أو ييسرون أو يستفيدون من أنشطة المستوطنات غير القانونية". وكشف تحقيق قناة Jazeera أنه فضلاً عن مجموعة Motorola Solutions (التي تتجاوز قيمة عقودها 1.7 مليار جنيه إسترليني)، فإن الشركات المُسماة تتبع أربع مجموعات كبرى: عملاق مواد البناء الألماني Heidelberg Materials، ومجموعة الهندسة الفرنسية Egis، وصانع القطارات الإسباني CAF، ومجموعة Fosun الصينية. وقد ارتبطت أنشطة هذه المجموعات أو شركاتها الأم بالمستوطنات في مجالات البنية التحتية والنقل والاتصالات أو العمليات التجارية.

وأشارت جيسي ستوبر، المديرة القانونية لمركز Global Echo Litigation Center، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إلى أن الآلية الجديدة قد تُحدث تغييراً في سلوك سلاسل الإمداد قائلة: "في النظام القديم، حتى إذا ضبط المستورد، فإنه بعد دفع الرسوم الجمركية تظل البضاعة قابلة للبيع. وفي ظل الحظر، قد يُرفض دخول البضائع المحظورة، وقد تواجه الشركات خسائر مالية كبيرة وعقوبات. وسيكون لدى كل مشارك في سلسلة الإمداد سبب للقيام بعناية واجبة صارمة بشأن المنشأ".

وترى ستوبر أن المفتاح يكمن في الاتساق السياساتي. وقالت لقناة الجزيرة: "لقد اعترفت الحكومة البريطانية الآن اعترافاً صريحاً بأن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني. وإذا كانت بصدد مواءمة سياستها التجارية وسياسة الجزاءات مع هذا الموقف ومع فتوى محكمة العدل الدولية الصادرة في يوليو/تموز 2024، فينبغي لها أيضاً أن تدرس ما إذا كانت علاقاتها الشرائية والتعاقدية تتماشى مع هذه الالتزامات".

وكانت قناة Jazeera قد وجهت أسئلة إلى الحكومة البريطانية بشأن ما إذا كانت تراجع الروابط القائمة بين متعاقدي القطاع العام وأنشطة المستوطنات، وما إذا كانت الشركات المعنية قد تُشمل بالسلطة المعيارية الجديدة، وكيف ستُعامل العقود القائمة في حال خضوعها للتسمية، لكنها لم تتلق أي رد حتى وقت النشر.

وفي ظل النظام البريطاني الحالي، تتمتع المنتجات الإسرائيلية المؤهلة برسوم جمركية تفضيلية بموجب اتفاقية التجارة البريطانية الإسرائيلية، في حين لا يحق ذلك لمنتجات الأراضي التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية منذ يونيو/حزيران 1967. ويتعين على المستوردين الذين يطالبون بالامتياز الجمركي الإسرائيلي استخدام رمز الوثائق الجمركية Y864، الذي يثبت أن البضائع ليست منشأً في الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية منذ عام 1967. ويعيش نحو 750 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، اللتين تُعتبران غير قانونيتين بموجب القانون الدولي.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.