سردية «بيت الأخوات» في سوريا: صور بالذكاء الاصطناعي ومنظمات خارجية وسياسة الخوف لدى الطائفة العلوية
نفت السلطات السورية وجود مؤسسة «بيت الأخوات»، وخلصت جهة تدقيق حقائق إلى أن الصور المتداولة مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. غير أن هذا الادعاء المفتقر إلى أدلة تضخّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أجبر عائلات علوية على مغادرة البلاد، كاشفاً عن القوة الهدّامة لتسلّح المعلومات في المرحلة الانتقالية السورية على الأقليات ولمّ الشمل الطائفي.
«كانت ابنتي تعزف البيانو وتلتحق بدروس الرقص، وكان الطرف الآخر على علم بذلك. 'إن لم تتوقفي، فربما نأخذها إلى بيت الأخوات'.» هكذا تذكّرت المعلمة السورية للرياضيات في الأربعينيات من عمرها، أمّ لثلاثة أطفال، والمكتفية باسم ليلى، التهديد الذي سمعته أمام باب منزلها في دمشق، وذلك في حديثها إلى إذاعة دويتشه فيله. وبعد أيام، غادرت العائلة سوريا إلى لبنان.
«نحن لم ندعم الأسد يوماً، فوالده قتل أشخاصاً من عائلتنا. نحن في الحقيقة نكرهه.» تقول ليلى لدويتشه فيله. وتنتمي هي وعائلتها إلى الطائفة العلوية — الطائفة ذاتها التي ينتمي إليها الرئيس السابق بشار الأسد، وكثيراً ما يُنظر إليها باعتبارها حليفة له فتلاقي المصاعب. وبعد سقوط نظام الأسد عام 2024، ودخول الجماعات المسلحة السنّية إلى دمشق للمرة الأولى، تقول ليلى إنها شعرت بالخوف، واصفةً إياهم بـ«المتطرفين». وكانت قد قرّرت مع زوجها في البداية البقاء، إلى أن طرق غرباء باب منزلها.
وفقاً لتقارير دويتشه فيله، ظلت الروايات المحيطة بـ«بيت الأخوات» تتداول على وسائل التواصل الاجتماعي السورية لأشهر، ومفادها أن نساءً سوريات من طوائف أخرى يُجبرن على الانتقال إلى مكان ما ويُحتجزن هناك ويُفرض عليهن اعتناق الإسلام. وحظيت هذه السردية بانتشار واسع في أيار/مايو — حين أُبلغ عن اختفاء الطالبة الجامعية العلوية البالغة 21 عاماً، بتول الألوش، ثم عادت للظهور مرتديةً ملابس دينية، مدّعيةً اعتناقها الإسلام طوعاً ومغادرتها أسرتها. ويُصِرّ والداها على أنها تعرّضت للتخدير أو الإكراه.
سرعان ما تكشّفت الفجوة الدامغة في الأدلة المحيطة بهذا الادعاء. فالمتحدث باسم وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية هند قبوات، قال لدويتشه فيله إن الوزارة لم ترخّص يوماً أي مؤسسة تحمل اسم «بيت الأخوات»، وإن أي منشأة مماثلة غير مرخّصة ستُغلَق. وقد خلصت جهة التحقّق السورية Verify-Sy إلى أن صور المبنى المتداولة على الإنترنت لما يُسمّى «بيت الأخوات» مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وقالت الجهة لدويتشه فيله إن الأدلة المتوافرة عبر المصادر المفتوحة بشأن ما يُزعم من حالات اختطاف وتعذيب «شحيحة ومتناقضة وغير كافية».
كتبت وسيلة الإعلام المستقلة شبكة أخبار الشام مؤخراً: «على الرغم من غياب أي دليل مادي... بدأت منصات وسائل التواصل الاجتماعي وصفحاتها تنقل 'هذا البيت' بوصفه حقيقة ثابتة. وأصبح تدريجياً محور الرواية الأشمل حول 'الاختطاف المنظَّم' للنساء العلويات.»
في المقابل، ثمة خلفية حقيقية وراء بعض حالات الاختفاء. تقول الأخصائية النفسية رهام سليمان، التي تعمل مع الأمم المتحدة وتتواصل مع المجتمعات العلوية، لدويتشه فيله إنها تناولت عدة حالات اختطاف، بعضها يتعلق بالابتزاز أو الانتقام أو الزواج القسري، مؤكدةً أن «هذه ليست مجرد حادثة واحدة أو صدفة». وانتهت حالات أخرى بعد أن أوضحت المعنيّات أنهن ذهبن فقط لمقابلة صديقات، أو أردن الهروب من أسرهن، أو فررن مع عشّاقهن. أما الألوش نفسها فتؤكّد رغبتها في اعتناق الإسلام ومغادرة أسرتها.
وتشير منظمة العفو الدولية ولجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا التابعة للأمم المتحدة إلى أن نحو 40 إلى 60 حالة ذات صلة لم تُحقَّق فيها بشكل كافٍ.
لكن انتشار السردية لم يتراجع نتيجة التوضيحات الرسمية وتدقيق الحقائق. فآلية التحقيق السورية (SIM)، ومقرها ولاية براندنبورغ الألمانية، أُسّست في أيار/مايو 2026، وزعم رئيسها ياسر سالتي في مقابلة على يوتيوب أن النساء المفقودات أُكرهن على اعتناق Islam واحتُجزن في «بيت الأخوات»، واصفاً ذلك بأنه دليل على «هندسة ديموغرافية». ولم تردّ SIM على طلبات المقابلة الإضافية من دويتشه فيله. وتلاحظ وكالة التحقيقات الصحفية العربية DARAJ أن بعض هذه المنظمات تعرّضت لانتقادات بسبب ارتباطها بنظام الأسد.
وينشر «التحالف السوري الأوروبي العلوي»، ومقرّه برلين، أيضاً محتوى متكرراً عن «بيت الأخوات». وانتقد نائب مدير المنظمة مؤيّد إبراهيم على صفحته الشخصية في فيسبوك الحكومة السورية الجديدة، وكان قد أعرب عن تضامنه مع كبير العلماء في عهد الأسد أحمد حسون. وقد حكمت محكمة سورية على حسون في نهاية آب/أغسطس بالسجن المؤبد بتهم تشمل التحريض على الحرب الأهلية والمساهمة في القتل العمد.
ويُحلّل غريغوري ووترز، كبير الباحثين في مجلس الأطلسي الذي يتابع الشأن السوري منذ فترة طويلة، لدويتشه فيله قائلاً: «هذه المعلومات تتوارد وتروح، لكنها تُحدث أثراً حقيقياً وقوياً للغاية. وتنطوي على نيّة سياسية لتقطيع أوصال الطائفة العلوية وتخويفها ومنعها من التواصل مع الحكومة والمجتمع السنّي، بل ودفعها إلى حدّ ما نحو شبكات المسلحين المناهضين للحكومة.»
ويشير ووترز إلى أن الدعاية الإلكترونية «تتطفّل على أحداث حقيقية داخل مجتمعات الأقليات وتضخّم المخاوف القائمة لديها». وتُجري Verify-Sy عمليات تدقيق شهرية للمعلومات المضللة على الإنترنت، وقد صُنّف «التحريض» كثاني أكثر الأهداف شيوعاً. ويقول إن السلطات السورية تحاول ضبط صنّاع المحتوى الذين ينشرون معلومات مضللة داخل البلاد، لكنها عاجزة عن الوصول إلى الحسابات في الخارج.
ويرى ناصيف نعيم، مدير أبحاث سوريا في مؤسسة Candid Foundation ومقرّها برلين، أن الحكومة في دمشق منشغلة حالياً ببناء المؤسسات وضبط الأوضاع الأمنية وتثبيت استقرار الدولة. لكنه يشير أيضاً إلى أن سوريا ستحتاج في نهاية المطاف إلى حوار وطني بين مختلف الفئات، وأن الانتعاش الاقتصادي قد يكون مفتاح تحسين العلاقات بين الطوائف. ويضيف ووترز أن أعداداً كبيرة من السياح المحليين السنّة توجّهوا صيفاً إلى المناطق الساحلية ذات الغالبية العلوية، «دون حدوث أي حالات تحرّش أو عنف»، وأن هذا التفاعل الواقعي «يساعد في الحدّ من تأثير حملات التضليل ومستوى الخوف». غير أن ووترز يعترف بأن العلاقات بين الطوائف في سوريا تتفاوت من منطقة إلى أخرى، وأن «الحواجز بين الجماعات تشتدّ فعلاً» في بعض المناطق خلال السنتين الماضيتين، وإن كانت «لم ترتفع أكثر».
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.