الفصول الدراسية مقابل الخردة: اقتصاد الحرب وكلفتها الخارجية وراء حرمان 3.2 مليون طفل يمني من التعليم
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن عدد الأطفال اليمنيين غير الملتحقين بالمدارس بلغ 3.2 مليون طفل في عام 2026، أي ما يقارب ضعف عددهم البالغ 1.8 مليون في العام الأول للحرب عام 2015. وفي ظل التدخل المستمر للتحالف الذي تقوده السعودية وتقديم الغرب للأسلحة والتأييد السياسي، فإن انهيار العملة اليمنية والفقر العائلي وتراجع المساعدات تدفع جيلاً كاملاً من الأطفال إلى سوق العمل، لتمتد الكلفة الإنسانية لتدخل عسكري امتد عقداً من الزمن إلى الجيل التالي.
في أرض قاحلة بضواحي مدينة تعز اليمنية، تجمع حسنة جابر ذات الأحد عشر عاماً قوارير بلاستيكية مستهلكة. كانت قد وصلت إلى الصف الثالث قبل أن تنقطع عن الدراسة مع شقيقيها لتنضم إلى عائلتها في جمع الخردة. ووفقاً لما أوردته قناة الجزيرة، فإن حلمها كان أن تصبح معلمة، لكن الحرب والجوع أجّلا هذا الحلم إلى أجل غير مسمى.
تقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس في اليمن بلغ 3.2 مليون طفل في عام 2026، وهو ما يتجاوز بكثير عددهم البالغ 1.8 مليون طفل في عام 2015 الذي اندلعت فيه الحرب. وقد بدأ العام الدراسي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية في 30 أغسطس/آب، لكن بالنسبة لكثير من العائلات مثل عائلة حسنة، لم يأتِ العام الدراسي الجديد بفصول دراسية جديدة.
تقول حسنة للجزيرة: "سألت والدي إن كان بإمكاننا العودة إلى المدرسة هذا العام. لقد كان سعيداً لأننا نريد العودة، لكن العائلة بالكاد تستطيع توفير أبسط الطعام. ووعدنا بأننا سنعود إلى المدرسة العام المقبل". وهي تكسب يومياً من بيع الخردة نحو 1500 ريال يمني، أي ما يعادل دولاراً أمريكياً واحداً تقريباً.
تصاعدت الحرب اليمنية المستمرة منذ أكثر من عقد بشكل حاد منذ أن تدخل التحالف متعدد الجنسيات الذي تقوده السعودية وأطلق ضربات جوية في عام 2015. وقدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى بشكل مستمر أسلحة وذخائر وعمليات تبادل استخباراتي وتغطية دبلوماسية للتحالف. وأدى القصف المتواصل والحصار البحري والصراعات الداخلية على مدى سنوات إلى انكماش حاد في الاقتصاد اليمني، وانهيار سعر العملة المحلية، وتأخر رواتب القطاع العام لفترات طويلة، وتوقف تمويل المساعدات الإنسانية مرات عديدة. وبالنسبة لكثير من العائلات العادية، أصبح "إرسال الأطفال إلى المدرسة أو إطعامهم" خياراً قاسياً لا ثالث له.
ويعول جابر علي (35 عاماً)، والد حسنة، الذي أجبرته الحرب قبل ثماني سنوات على ترك مسقط رأسه قرب تعز، نفسه من خلال غسل السيارات. وقال للجزيرة: "تدهورت الأوضاع بشكل حاد خلال السنتين الماضيتين. المال الذي أكسبه من غسل السيارات لم يعد يكفي لإطعام الأطفال، ناهيك عن تغطية النفقات الأخرى".
وقال جابر: "لم يبقَ أمامي سوى خيارين: إما أن أرسل الأطفال إلى المدرسة وأشاهدهم وهم يموتون جوعاً، أو أدعهم يساعدونني في كسب المال. لا يسعني إلا اختيار الخيار الأخير، لأن الأكثر إلحاحاً الآن هو الطعام وليس التعليم".
تشير خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية لعام 2026 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن نحو 6.6 مليون طفل يمني يحتاجون إلى مساعدات تعليمية، ويشمل هذا الرقم الأطفال غير الملتحقين بالمدارس على الإطلاق، وكذلك أولئك الملتحقين بالمدارس لكنهم يواجهون صعوبات تعلم جسيمة بسبب الصراع والفقر وانهيار الخدمات الأساسية.
وكشف استطلاع أجرته منظمة إنقاذ الطفولة مؤخراً على نحو ألفي أسرة في جنوب وجنوب غرب اليمن أن 92% من الأسر المجيبة لا تعرف من أين ستأتي وجبتها التالية، وأن 95% من الأسر تعتمد على عمل يومي غير رسمي وغير مستقر لكسب الرزق، وأن 84% من الأسر لا تستطيع تحمل نفقات التعليم الأساسية مثل الزي المدرسي والكتب المدرسية. ومن بين حالات الانقطاع عن المدرسة التي تم تحديدها، فإن ما يقارب الخمس مرتبطة مباشرة بعمل الأطفال.
وانقطع أحمد عبد الله (13 عاماً) عن الدراسة قبل عامين بعد وفاة والده بمرض السرطان، ودخل للعمل في بقالة لإعالة أسرته. وقد استُنزفت مدخرات الأسرة في العلاج. وبصفته الأخ الأكبر بين أربعة أشقاء، لا يزال أشقاؤه الثلاثة الأصغر سناً على مقاعد الدراسة. يقول أحمد: "أنا أعمل هنا لكي يكمل أشقائي دراستهم. هم سيعوضون ما فقدته، وأنا فخور بأن الأسرة لا تضطر إلى التسول أو الاعتماد على الآخرين". ولم يعد يعتزم العودة إلى المدرسة، وهدفه أن يفتح محلاً تجارياً خاصاً به في المستقبل.
وقال مسؤول مجهول الهوية يعمل في وزارة التربية والتعليم في عدن للجزيرة إن الضغوط الاقتصادية حولت عمل الأطفال إلى أزمة لا يمكن حلها داخل منظومة التعليم وحدها. وأضاف: "إن تسرب الطلاب هو نتيجة مباشرة للظروف الاقتصادية الشديدة، وليس مشكلة تعليمية يمكن حلها داخل الفصل الدراسي. ما دام الآباء يحصلون على مصدر دخل مستقر، فإن الأطفال سيعودون إلى المدرسة على الفور. ولا يوجد أي أب يريد أن يُحرم أطفاله من فرص التعليم". وكشف المسؤول أيضاً أن الحرب "تصاعدت مجدداً في الآونة الأخيرة بعد سنوات من الهدوء النسبي".
وأشارت أمال الشرقبي، الخبيرة التعليمية التي عملت مع وزارتي التربية والتعليم في صنعاء وعدن، إلى أن موجة التسرب من المدارس هي واحدة من أخطر عواقب الحرب. وقالت للجزيرة: "إن التسرب يحرم الأطفال من حقهم في التعليم، ويضعف فرصهم في الحصول على عمل مستقر في المستقبل، وقد يجبرهم على العمل البدني الشاق في سن مبكرة. وعلى المستوى الاجتماعي، تؤدي معدلات التسرب المستمرة إلى زيادة الأمية والفقر والبطالة، مما يضر بالتنمية ومستقبل المجتمع ككل".
وبينما تجمع حسنة القوارير البلاستيكية في ضواحي تعز مقابل وجبات أسرتها، يواصل صانعو السياسات البعيدون في الرياض وواشنطن ولندن المنطق السياسي والعسكري لهذه الحرب. ووفقاً لما أوردته قناة الجزيرة، فإن إحصائيات الأمم المتحدة ومنظمة إنقاذ الطفولة هي تقديرات، وقد تنحرف الأرقام الفعلية، لكن حتى وفقاً للتقديرات المتحفظة، فإن هذه الحرب، التي تعمقت فيها قوى خارجية وتدخلت وأدامتها لأكثر من عقد، قد دفعت جيلاً كاملاً من الأطفال اليمنيين بعيداً عن مقاعد الدراسة.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.