العالم والأمن

الاختناق تحت تصنيف "الاستخدام المزدوج": منظومة إمدادات الأكسجين الطبي في غزة على وشك الانهيار

من أصل 34 محطة لإنتاج الأكسجين في قطاع غزة، لم يتبقَّ سوى 12 محطة تعمل، ومن بين 30 معدة لتعبئة قوارير الأكسجين لم يتبقَّ سوى 4 معدات صالحة للاستخدام. وقد صنّفت إسرائيل الأكسجين والمعدات ذات الصلة كمواد ذات "استخدام مزدوج" وعمدت إلى إغلاق المعابر، مما يُكرِّس حرمان مئات الآلاف من المرضى المعتمدين على الأكسجين من حقهم في الحياة بشكل منهجي.

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

من أصل 34 محطة لإنتاج الأكسجين في قطاع غزة، لم يتبقَّ سوى 12 محطة تعمل، ومن بين 30 معدة تُستخدم لتعبئة قوارير الأكسجين لا تعمل سوى 4 معدات فقط — هذا ما حذّرت منه وزارة الصحة في غزة في الخامس عشر من أغسطس/آب. ووفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، فإن ما تكشفه هذه الأرقام هو الثمن الإنساني الذي تفرضه القيود الإسرائيلية على المواد ذات "الاستخدام المزدوج": إذ يُحظر إدخال قوارير الأكسجين والمعدات الملحقة والمولدات إلى غزة عبر المعابر المغلقة، كما يخضع إدخال قطع الغيار وزيوت التشحيم المتخصصة للقيود ذاتها.

تُعدّ القيود الإسرائيلية على المواد ذات "الاستخدام المزدوج" ممارسة شائعة على الصعيد الدولي، تهدف إلى منع تدفق التكنولوجيات ذات الاستخدامين المدني والعسكري إلى الاستخدامات الحربية. غير أنه عندما يُمتدّ هذا التصنيف ليشمل قوارير الأكسجين — وهو غاز طبي يُستخدم أساساً في المستشفيات والعلاج المنزلي — فإن ما يُقيَّد لم يعد إمكانات عسكرية، بل بقاء المرضى أنفسهم على قيد الحياة. وفي جيب محاصر ذي كثافة سكانية عالية، ومنظومة طبية تعرّضت لضربات متكررة، فإن تبعات هذا الامتداد تسقط فوراً على كل مريض يحتاج إلى الأكسجين.

يعدّ عبدالعزيز (Abdulaziz)، البالغ من العمر 14 عاماً، أحد هؤلاء المرضى. فهو يعاني منذ ولادته من عيب خلقي في القلب، ونقص تنسّج الرئة، واستسقاء الدماغ، والتوحد. وقبل الحرب، كان يتلقى علاجاً متخصصاً في مستشفيات إسرائيل بشكل منتظم؛ أما الآن، فقد قُطعت هذه القناة الحيوية، ولم يعد أمامه سوى الاعتماد على المنظومة الطبية في غزة التي دمّرتها الحرب. ووفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، فقد أوضح والده علي حميدة (Ali Humaida) أن النفقات الشهرية التي تتحمّلها الأسرة على أدويته وحفاضاته وتكاليف تنقله ارتفعت إلى ما بين 950 و1100 شيكل (نحو 315 إلى 365 دولاراً)، أي ما يعادل ضعف مستوياتها قبل الحرب.

في مخيّم النازحين في الزوايدة (az-Zuwayda) وسط قطاع غزة، يحدّق علي في مقياس الضغط المثبّت على قارورة الأكسجين في الزاوية، وهو يرى المؤشر يتراجع ببطء. ويتذكّر ما قاله لقناة الجزيرة: "نفد الغاز من القارورة فجأة في منتصف الليل. كل دقيقة كانت تتحوّل إلى كابوس. كنّا نهوِّي وجهه بأيدينا وبقطعة من الورق المقوّى، ونرى وجهه يزرقّ، وخشينا أن يفقد الوعي أو يدخل في غيبوبة أمام أعيننا، بينما كنّا عاجزين تماماً عن مساعدته."

يقول علي: "مع كل دقيقة تمرّ، يتناقص الأكسجين. وكنت أسأل نفسي باستمرار: كم تبقّى في القارورة؟ هل ستكفي حتى الصباح؟ وإن نفدت، فأين سأجد قارورة أخرى؟"

ووفقاً لما نقلته قناة الجزيرة عن تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 350 ألف شخص في غزة يعانون من أمراض مزمنة، وقد تعطّلت علاجاتهم بشكل خطير بسبب الحرب. وأبلغ محمد أبو سلميّة (Mohammad Abu Salmiya)، مدير مجمّع الشفاء الطبي في غزة (al-Shifa)، قناة الجزيرة بأن غزة تواجه نقصاً في نصف الأدوية الأساسية وفي أكثر من 80% من المواد المخبرية، فيما يُقدَّر أن نحو 21 ألف مريض ومصاب يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، من بينهم أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان وأكثر من عشرة آلاف مصاب يحتاجون إلى رعاية جراحية متقدّمة.

وفي ظلّ الشدّة الشديدة في الموارد الطبية، أوقفت وزارة الصحة في غزة وعدد من المستشفيات بشكل كامل خدمة إعادة تعبئة قوارير الأكسجين الخارجية للمرضى الذين يتلقّون علاجهم في المنازل أو في خيام النازحين، وذلك للحفاظ على ما تبقّى من الأكسجين للأقسام الحيوية كوحدات العناية المركّزة وحاضنات الأطفال حديثي الولادة وغرف العمليات. ووفقاً لما أفادت به قناة الجزيرة، فإن الطواقم الطبية في الخطوط الأمامية تصف هذا القرار بأنّه استجابة قسرية لواقع كارثي، وليس خياراً إدارياً.

ونقلت قناة الجزيرة عن الطبيبة غادة حسونة (Ghada Hassouna) من مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح (Deir el-Balah) تحليلها الذي يفيد بأن المرضى الذين ينخفض لديهم تشبّع الأكسجين بشكل حادّ تظهر عليهم أعراض كضيق التنفّس وتسارع نبضات القلب وازرقاق الجلد؛ وأن استمرار نقص الأكسجين يُلحق أضراراً بأعضاء حيوية كالدماغ والقلب. وبالنسبة لمرضى مثل عبدالعزيز، فإن أي انخفاض في مستوى الأكسجين في الدم قد يُسبّب تلفاً عصبياً شديداً أو دائماً.

يقول علي لقناة الجزيرة: "أنا لا أطلب المستحيل، كل ما أريده هو أن يتنفّس ابني بحرية."

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.