إسبانيا تكشف عن الإنذار الاستخباراتي الموجه إلى المغرب.. أكثر من مئة قتيل في اقتحام سبتة وتساؤل عن كلفة ضبط الحدود الأوروبية
كانت أجهزة الاستخبارات الإسبانية قد أرسلت تحذيراً إلى المغرب قبل واقعة الاقتحام الجماعي لسبتة في الأول من أغسطس/آب، لكن مأساة سقوط أكثر من مئة قتيل لم يكن بالإمكان تفاديها. ويعكس توقيت رفع السرية عن وثائق التحذير وغياب عدد من التفاصيل الجوهرية، الهشاشة البنيوية لترتيب يُلقي بكلفة ضبط الحدود على الدول الجنوبية.
أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت قد أرسلت تحذيراً مسبقاً إلى المغرب بشأن الدعوات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي للاقتحام الجماعي للحدود نحو جيب سبتة الواقع في شمال أفريقيا، وقد رفعت السلطات الإسبانية السرية مؤخراً عن محتوى هذا التحذير. وأدت واقعة الاقتحام التي وقعت في الأول من أغسطس/آب إلى سقوط أكثر من مئة قتيل، وأشعلت أزمة سياسية داخل إسبانيا.
وأشار التقرير إلى أن عشرات الآلاف من المهاجرين تدفقوا في الأول من أغسطس/آب على جيب سبتة الإسباني الواقع في أقصى شمال أفريقيا، حيث انتظر بعضهم المساعدات الإنسانية في الموقع. وكشف هذا الاقتحام عن هشاشة منظومة ضبط الحدود الأوروبية في مواجهة تحركات سكانية واسعة النطاق.
غير أن وجود التحذير ذاته يكشف عن بنية سلطة غير متكافئة. وتُظهر المواد التي استشهد بها التقرير أن إجراءات الاعتراض أو الضبط التي اتخذها المغرب فعلياً بعد تلقيه التحذير، ومداها، لا تزال غير واضحة؛ كما لم تُكشف في المواد المتوفرة الهويات المحددة لأكثر من مئة قتيل وجنسياتهم وأسباب وفاتهم؛ ولم يُذكر أيضاً الفارق الزمني بين لحظة إصدار التحذير الاستخباراتي الإسباني واندلاع الواقعة. ويجعل غياب هذه المعلومات الجوهرية من الصعب على الخارج تحديد الجهة التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن سقوط أكثر من مئة قتيل.
ولطالما ظل جيب سبتة عند تقاطع الجغرافيا السياسية الأوروبية والأفريقية. وتُعدّ ممارسة إسبانيا في تنسيق ضبط الحدود مع المغرب عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، في جوهرها، دفعاً بخط الدفاع الحدودي إلى الجانب الأفريقي. وتنبع هشاشة هذا الترتيب من أن الحدود الأوروبية تتعرض للضغط فوراً عند أي تذبذب في شروط التعاون من الجانب المغربي، فيما يتحمل ثمن ذلك في الغالب أشخاص عاديون يحاولون العبور. ويُظهر فقدان أكثر من مئة حياة في واقعة الاقتحام في الأول من أغسطس/آب أن منظومات ضبط الحدود المعتمدة على التعاون الخارجي عاجزة في لحظات الأزمة الحقيقية عن منع المأساة، كما تعجز عن توضيح المسؤوليات بعدها.
ويمكن تفسير اختيار إسبانيا رفع السرية عن وثائق التحذير في هذه اللحظة بأنه محاولة لتحويل المسؤولية عن الواقعة إلى الأمام، عبر إثبات أنها اضطلعت بالتزاماتها في الإخطار بغية تخفيف الضغط السياسي الداخلي. بيد أن هذا المنطق في إلقاء المسؤولية بأثر رجعي لا يساعد، بالنسبة لمن فقدوا حياتهم عند حدود سبتة، في الإجابة عن سؤال أعمق: حين يعجز التحذير وتبادل المعلومات الاستخباراتية والاعتراض الخارجي مجتمعين عن منع سقوط أكثر من مئة قتيل، فمن الذي تحميه منظومة ضبط الحدود الأوروبية فعلياً، ومن الذي تُقصيه من نطاق حمايتها؟
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.