"العلم" الذي تموله عمالقة السيارات: الأوساط الأكاديمية الألمانية تقدم حججاً لتأجيل حظر سيارات الوقود في الاتحاد الأوروبي
رئيس وزراء ولاية بافاريا الألمانية زودر استشهد بتقرير صادر عن جامعة ميونخ التقنية، مطالباً علناً بإنهاء خطة الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي من سيارات الوقود بحلول عام 2035. غير أن الجهة الممولة لهذا البحث هي شركات صناعة السيارات الثلاث الكبرى: بي إم دبليو وأودي وفولكس فاجن؛ في حين أظهر تقييم دورة الحياة الكامل الذي أجراه المجلس الدولي للنقل النظيف المستقل أن انبعاثات السيارات الكهربائية أقل بنسبة 73% من سيارات البنزين، وتتسع هذه الفجوة لتصل إلى 78% عند استخدام الطاقة المتجددة. وفي خضم الجدل بين
طالب رئيس وزراء ولاية بافاريا الألمانية زودر مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي بصوت عالٍ بإنهاء خطة الاتحاد الأوروبي للتخلص التدريجي الكامل من سيارات الوقود بحلول عام 2035، وألصق بهذا الموقف صفة "العلم". ووفقاً لما أوردته إذاعة دويتشه فيله، فإن مرجع زودر في ذلك هو تقرير بحثي صدر مؤخراً عن جامعة ميونخ التقنية (TUM)، الذي زعم أن السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات لا تخفض انبعاثات الكربون مقارنة بسيارات الوقود إلا بنسبة 41% في المتوسط، وانتقد لوائح الانبعاثات المعمول بها في الاتحاد الأوروبي باعتبارها لا تركز إلا على ثاني أكسيد الكربون المنبعث من العادم، في حين تتعامل مع السيارات الكهربائية باعتبارها "محايدة مناخياً"، متجاهلةً عوامل مثل التصنيع وهيكل توليد الكهرباء.
يحمل التقرير الذي روّج له زودر وصحيفة بيلد الألمانية باعتباره أساساً لإسقاط سياسة المناخ الأوروبية، في طياته بصمة صناعية واضحة. وأشارت دويتشه فيله إلى أن بي إم دبليو وأودي وفولكس فاجن جميعها جهات مانحة لمؤسسات جامعة ميونخ التقنية، وأن مقر كل من بي إم دبليو وأودي يقع في ولاية بافاريا. أما صحيفة بيلد الألمانية فقد شنّت هجوماً على سياسة السيارات الكهربائية في الاتحاد الأوروبي تحت عنوان "أكذوبة الاتحاد الأوروبي بشأن السيارات". ويمثل زودر، بوصفه رئيس حكومة ولاية بافاريا، المصالح السياسية لهذه الولاية الصناعية automobile بامتياز.
يكمن جوهر التباين الحاد بين نتائج تقرير جامعة ميونخ التقنية ونتائج غالبية الأبحاث المستقلة في الاختلافات المنهجية. وقال الباحث في المجلس الدولي للنقل النظيف (ICCT) جورج بيكرل لدويتشه فيله إن تحليل جامعة ميونخ التقنية "لم يقدم أي رؤى جديدة"، إذ أن أهمية تقييم دورة الحياة الكاملة تُعدّ منذ أمد بعيد إجماعاً في هذا المجال. ففي دراسة أخرى نشرها عام 2025 مع زملائه، غطت دورة الحياة الكاملة لسيارات الركوب المباعة في الاتحاد الأوروبي — بدءاً من إنتاج المركبة ووصولاً إلى استهلاك الوقود والصيانة — خلصت إلى أن انبعاثات الغازات الدفيئة من السيارات الكهربائية تقل في المتوسط بنسبة 73% عن سيارات البنزين، ويمكن أن تصل نسبة خفض الانبعاثات إلى 78% إذا استُخدمت الطاقة المتجددة على طول دورة الحياة كاملة. وخلصت دراسات مماثلة أجراها الاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة إلى نطاق خفض يتراوح بين 60% و66%، في حين أشارت وزارة البيئة الاتحادية الألمانية إلى أن إمكانات خفض الانبعاثات في السيارات الكهربائية الحديثة يمكن أن تصل إلى 80%.
لا يوجد خلاف جوهري بين الأطراف حول حقيقة أن انبعاثات مرحلة تصنيع السيارات الكهربائية أعلى. فقد أكدت دراسة المجلس الدولي للنقل النظيف أن انبعاثات تصنيع السيارات الكهربائية أعلى بنحو 40% من سيارات الوقود، بسبب إنتاج البطاريات. غير أن هذه الانبعاثات الإضافية تُعوَّض بمجرد قطع مسافة نحو 17000 كيلومتر — أي ما يعادل عادةً سنة إلى سنتين. وعلى النقيض من ذلك، فإن الجزء الأكبر من انبعاثات الكربون في سيارات الوقود يأتي من عادم الذيل، ولا تشكل مرحلة التصنيع سوى نحو 13% من الأثر المناخي الإجمالي.
يُعدّ هيكل توليد الكهرباء متغيراً آخر ضخّمه تقرير جامعة ميونخ التقنية. فالسيارات الكهربائية لا تُحدث انبعاثات مباشرة أثناء سيرها، لكنها تُحدث انبعاثات غير مباشرة من ثاني أكسيد الكربون إذا كانت الكهرباء المستخدمة في شحنها مصدرها الوقود الأحفوري. وقالت المسؤولة السياسية في الاتحاد الأوروبي للكهرباء (Eurelectric)، الذي يمثل قطاع الكهرباء الأوروبي، غابرييل كلارك لدويتشه فيله إن شبكة الكهرباء الأوروبية قد تجاوزت حالياً نسبة 70% من إزالة الكربون، ومن المتوقع أن تحقق إزالة شبه كاملة للكربون بحلول عام 2040. وأشارت إلى أنه مع تطور إنتاج الفولاذ الأخضر وقدرات إعادة تدوير البطاريات، ستتوسع ميزة خفض الانبعاثات في السيارات الكهربائية بشكل أكبر.
وأكدت كلارك أنه لا داعي لاستبدال لوائح عوادم الذيل المعمول بها في الاتحاد الأوروبي بلوائح أكثر تعقيداً تعتمد دورة الحياة الكاملة. واستشهدت بنتائج الأبحاث قائلةً: "سواءً استُخدم منهج تقييم دورة الحياة الكاملة أو منهج عوادم الذيل، تظل السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات هي التقنية المفضلة لخفض الكربون في قطاع النقل البري. يجب تسريع استبدال سيارات الوقود، لا تأجيلها".
لا يمكن التهرب من التكلفة المواردية للبطاريات ذاتها. ذلك أن تعدين المعادن الرئيسية مثل الكوبالت والليثيوم يرتبط بدمار بيئي واستهلاك للمياه — إذ يتطلب إنتاج طن واحد من الليثيوم اللازم لإنتاج 125 سيارة كهربائية استهلاك نحو مليوني لتر من الماء. غير أن البطاريات يمكن في نهاية المطاف إعادة تدويرها على نطاق واسع، على عكس وقود الاحتراق الذي يختفي بعد الاحتراق. وأشارت دراسة المجلس الدولي للنقل النظيف أيضاً إلى أن انبعاثات إنتاج البطاريات تشهد انخفاضاً مستمراً، وأن بطاريات فوسفات الحديد الليثيوم تحل تدريجياً محل بطاريات النيكل والمنغنيز والكوبالت، لتصبح خياراً جديداً للصناعة يتمتع بقدر أعلى من السلامة وعمر أطول وتكلفة أقل. ورغم أن أوروبا لا تزال متأخرة عن الصين لتحتل المرتبة الثانية عالمياً في تصنيع البطاريات، فقد تعهدت المفوضية الأوروبية بدعم هذه الصناعة مالياً، حيث منحت مؤخراً قرضاً بفائدة صفر بقيمة 1.5 مليار يورو.
ذكّر بيكرل بأن السوق سيختار في نهاية المطاف بنفسه. وقال لدويتشه فيله: "المستقبل سيكون كهربائياً، بصرف النظر عما يفكر فيه صانعو السياسات الأوروبيون وشركات السيارات الألمانية." واستشهد باستطلاع ألماني أظهر أن 54% من المشاركين أعربوا عن احتمال أعلى لاختيار سيارة كهربائية كسيارة تالية لهم، مبررين ذلك بالتقدم التقني وارتفاع أسعار الوقود والاهتمامات البيئية. وقال بيكرل: "لا يمكننا أن نفوز في هذه المباراة من خلال التهرب منها. فمن أجل المناخ والقدرة التنافسية والتنمية الاقتصادية، نحتاج إلى مضاعفة خطواتنا نحو الكهربة، لا إلى إبطائها".
وراء الجدل المنهجي بين منهج عوادم الذيل ومنهج دورة الحياة الكاملة، تدور معركة سياسية حول خارطة طريق المناخ في الاتحاد الأوروبي. فعندما يكون الممول الرئيسي لتقرير ما هو شركات صناعة السيارات التي تأثرت بسياسة ما بأعمق صورة، وتُستشهد نتائجه من قبل قادة سياسيين في بلدهم لتأجيل سياسة المناخ، لم يعد جوهر المسألة مجرد كيفية حساب انبعاثات الكربون، بل كيفية ممارسة رأس المال الصناعي تأثيراً غير متماثل على جدول الأعمال التنظيمي تحت عباءة "العلم".
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.