ماكرون يطرح مخططاً أوروبياً للفضاء يمتد لعشر سنوات: "راكب أم طيار؟" يختبر الاستقلالية الاستراتيجية
الرئيس الفرنسي ماكرون يصرّح بوضوح في قمة الفضاء الدولية في باريس بأن "الفضاء الأوروبي لا يزال ضعيفاً"، ويطرح خارطة طريق من ثلاث مراحل تمتد لعشر سنوات، تبدأ بسفن الشحن وتنتهي برحلات الفضاء المأهولة، بهدف رئيسي يتمثل في تقليل الاعتماد على خدمات الفضاء الأمريكية والروسية. ويحذّر مدير وكالة الفضاء الأوروبية في أعقاب ذلك من أن "الاعتماد له ثمنه"، وأن الفجوة في التمويل والتكنولوجيا مع رواد الفضاء تتسع.
صرّح الرئيس الفرنسي ماكرون يوم الخميس في قمة الفضاء الدولية في باريس بحكم مباشر: "الفضاء الأوروبي لا يزال ضعيفاً." ووفقاً لما أوردته إذاعة "دويتشه فيله"، طرح ماكرون في خطابه خارطة طريق أوروبية للفضاء المأهول تمتد لعشر سنوات، ودعا أوروبا إلى تقليل اعتمادها على خدمات الفضاء الأمريكية والروسية، وتحويل الاستقلالية الاستراتيجية من شعار سياسي إلى جدول زمني ملموس.
ووفقاً للخطة، خلال عامين، يجب أن ترسو سفينة الشحن الأوروبية "نِكس" بمحطة الفضاء الدولية؛ وخلال خمس سنوات، يجب أن يهبط المسبار القمري "أرغو" على سطح القمر؛ وخلال عشر سنوات، يجب أن تنطلق أول سفينة فضاء أوروبية مأهولة من قاعدة كورو لإطلاق الفضاء في غيانا الفرنسية، حاملةً رواد فضاء أوروبيين وآخرين من دول أخرى إلى الفضاء. وأكد ماكرون: "نأمل أن تُظهر أوروبا طموحها في مجال الفضاء المأهول. لا يزال برنامج الفضاء الأوروبي هشاً، ويجب أن نبذل جهداً مضاعفاً."
تنبع إلحاحية هذه الخارطة من الاعتماد الهيكلي طويل الأمد لأوروبا في المجالات الفضائية الرئيسية. واستشهدت إذاعة "دويتشه فيله" بكلمة ماكرون التي أشارت إلى أن استكشاف الفضاء الأوروبي لا يزال يعتمد في مجالي الاتصالات والمراقبة على خدمات الصواريخ والأقمار الصناعية الأمريكية والروسية. وفي ظل تسارع الصين والولايات المتحدة في خطط الفضاء السحيق، إذا واصلت أوروبا ركوب مركبات الدول الأخرى بصفة "راكب"، فستفقد السيطرة على قدراتها في مجالي الاتصالات والمراقبة.
وأكمل مدير وكالة الفضاء الأوروبية جوزيف أشباخر حديثه بعد خطاب ماكرون: "هل نحن ركاب أم طيارون؟" وأشار إلى أن دول العالم تتقدم بسرعة في تكنولوجيا الفضاء من الأقمار الصناعية إلى القمر، ويجب على أوروبا أن "تضع نفسها كشريك لا غنى عنه بقدراتها الذاتية". وقدّم مؤشراً كمّياً: إذا أرادت أوروبا تحقيق الاستقلال في مجال استكشاف الفضاء، يجب أن تستثمر نحو مليار يورو سنوياً. وقال أشباخر محذراً: "الاعتماد له ثمنه... والفجوة مع رواد الفضاء العالميين في التمويل والتكنولوجيا تتسع."
يكشف هذا الحوار عن اختلال في القوى داخل التحالف الغربي تمّ تجنّبه لفترة طويلة. وفي المجالات الاستراتيجية الأساسية مثل الاتصالات والمراقبة، يُشكّل اعتماد أوروبا على القدرات الفضائية الأمريكية رافعة خفية في العلاقات عبر الأطلسية - فواشنطن حليف سياسي ومورّد للبنية التحتية الحيوية في الوقت ذاته. وإذا ما تشددت شروط التعاون، ستواجه أوروبا مخاطر منهجية. وتساؤل ماكرون، في جوهره، يستفسر ما إذا كانت أوروبا مستعدة لدفع ثمن حقيقي من المال مقابل الاستقلالية الاستراتيجية الحقيقية.
لكن الفجوة بين خارطة الطريق والواقع صارخة بالمثل. فعلى الرغم من أن وكالة الفضاء الأوروبية حصلت عام 2025 على ميزانية قياسية تاريخية تجاوزت 22 مليار يورو، تغطي جميع المشاريع للسنوات الثلاث المقبلة، إلا أن الوكالة لم تنفّذ أي مهمة فضائية مأهولة قط. وأشارت إذاعة "دويتشه فيله" إلى أن هدف ماكرون للفضاء المأهول على مدى عشر سنوات لا يزال يواجه خلافات حول الجدوى في ظل الاحتياطيات التقنية الراهنة والضغوط المالية على الدول الأعضاء. ويكمن عدم اليقين الأساسي في: في الساحة الفضائية القائمة التي تهيمن عليها الولايات المتحدة وروسيا، هل يمكن لأوروبا أن تحقق استقلالية حقيقية في البنية التحتية الحيوية دون إثارة احتكاكات جيوسياسية؟ ووضع ماكرون هذا السؤال على طاولة قمة باريس في حد ذاته إشارة سياسية - هل ستتغير هوية "الراكب" في مجال الفضاء الأوروبي خلال عشر سنوات؟
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.