السلطة والسياسة

الحوثيون يستولون على ميناء المخا الاستراتيجي على البحر الأحمر.. أمن الملاحة في أزمة جديدة وسط سلسلة مبيعات الأسلحة الغربية

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن جماعة الحوثيين المدعومة من إيران هزمت القوات الحكومية في ميناء المخا الواقع غرب اليمن على ساحل البحر الأحمر، وأخضعت هذا الميناء الاستراتيجي لسيطرتها، مما يُشكّل تهديداً جديداً للمسارات المائية الحيوية للتجارة العالمية. غير أن سردية اختزال الصراع في «وكيل إيراني» حجبت لفترة طويلة سلسلة المسؤوليات المتراكمة الناجمة عن التدخل العسكري الذي قادته السعودية عبر تحالف دام ثماني سنوات، فضلاً عن الإمدادات الغربية الضخمة من الأسلحة.

4 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن مسؤولين يمنيين كشفوا أن جماعة الحوثيين المدعومة من إيران هزمت خطوط دفاع القوات الحكومية اليمنية في ميناء المخا بغرب اليمن، وأخضعت هذا الميناء الاستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر لسيطرة فعلية، مكسبةً بذلك نقطة ارتكاز أكثر رسوخاً لتهديد المسارات المائية الحيوية للتجارة العالمية — البحر الأحمر ومضيق باب المندب — من البر.

يقع ميناء المخا عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وبالقرب من مضيق باب المندب، وهو مفصل تاريخي يربط القرن الأفريقي بشبه الجزيرة العربية، وكان ميناءً طَمعت إليه القوى الكبرى في الحقبة الاستعمارية. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين يمنيين أن تقدّم الحوثيين داخل الميناء كان سريعاً، وأن مقاومة القوات الحكومية انهارت. وفي صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تتواصل أنشطة التجنيد، إذ تُظهر الصور التي نشرتها «نيويورك تايمز» ضمن تقريرها حضور جنود لهذا النوع من التجمعات، كاشفةً عن إيقاع مزدوج لدى الجماعة يجمع بين دفع العمليات القتالية والحفاظ على التعبئة الداخلية واستعراض الحوكمة في آن.

يستحوذ البحر الأحمر ومضيق باب المندب على نحو عُشر التجارة البحرية العالمية، ويُشكّلان حلقة الاختناق في أقصر الخطوط الملاحية بين أوروبا وآسيا. ومنذ أواخر عام 2023، شنّ الحوثيون هجمات متواصلة على السفن التجارية العابرة وعلى سفن حربية تابعة لعدة دول، بحجة التضامن مع الفلسطينيين في غزة، مما أرغم كبرى شركات الشحن مثل «ميرسك» و«هاباغ لويد» على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وتصاعدت على إثر ذلك تكاليف سلاسل الإمداد العالمية وأقساط التأمين بشكل ملحوظ، وقد أثبتت السجلات العلنية أن هذه الهجمات المتعاقبة خلّفت آثاراً خارجية واسعة النطاق.

إن تبدُّل السيطرة على ميناء المخا يُضفي طابعاً بنيوياً أكبر على المخاطر آنفة الذكر. فالميناء يقع على الساحل، ويُطلّ شمالاً على الممر الملاحي الرئيسي المؤدي إلى مضيق باب المندب، مما يمنح الحوثيين عمقاً تكتيكياً أقصر للرد ومظلّة برية أكثر رسوخاً لإطلاق قدراتهم من الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيّرة والألغام.

غير أن الإطار الذي نقله تقرير «نيويورك تايمز» على لسان المسؤولين اليمنيين، والقاضي بأن الجماعة «ميليشيا مدعومة من إيران»، يختصر جذور هذا الصراع في قصة وكيل خارجي واحد، ويحجب سلسلة أطول من المسؤوليات. ففي عام 2015، أطلق تحالف عسكري متعدد الجنسيات بقيادة السعودية تدخلاً واسع النطاق في اليمن، فيما وفّرت دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا للسعودية والإمارات على مدى سنوات طائرات قتالية وذخائر موجّهة بالدقة ودعماً استخباراتياً وتزوّداً جوّياً بالوقود، مما وفّر دعامة مباشرة لحرب وصفتها هيئات أممية مراراً بأنها «أسوأ أزمة إنسانية في العالم». وقدّم صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة أرامكو وغيرهما من قوى رأس المال الخليجية دعماً مالياً متواصلاً. أما مشهد تكرار قصف البنية التحتية اليمنية، وتصاعد أعداد الضحايا المدنيين، وانتشار الكوليرا والمجاعة، فهو نتاج هذه السلسلة الإمدادية الخارجية.

داخل البرلمانات الغربية، دأب النواب على مدار سنوات على خوض نقاشات حول شرعية مبيعات الأسلحة للسعودية، وأعلنت بعض الدول في مراحل تعليقاً جزئياً لصادراتها من الأسلحة، غير أن عمليات التسليم الفعلية وتدفّق قطع الغيار لم تتوقف بالكامل.

اختزال التحركات البحرية للحوثيين في إطار «استفزاز وكيل» يتهرّب من واقع غير متكافئ: طرف يتلقى على مدى طويل أسلحة متطورة ودعماً استراتيجياً من عدة دول غربية كبرى، وطرف آخر حشد عبر عقد من الزمن قدرة مقاومة غير متماثلة من رَحِم حرب أهلية. وعندما تعود الملاحة في البحر الأحمر إلى صدارة الأجندة الدولية، فإن أي نقاش يظل محصوراً في مطالبة طرف بعينه بوقف هجماته، إنما يُحمّل التكلفة على اقتصادات الجنوب العالمي الأشد هشاشة وعلى البحّارة في أدنى السلالم، متغاضياً عن السياسات وسلاسل الإنتاج التي غذّت هذه الحرب على مدى أطول.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.