العالم والأمن

الولايات المتحدة تشرّع لفرض عقوبات على الدول المستوردة للنفط الروسي، وتستورد كميات ضخمة منه في الوقت ذاته: ازدواجية المعايير تثير ردود فعل حزبية ودولية

أعلن ترامب أنه توصّل مع بوتين إلى اتفاق لاستيراد الديزل تصل كميّته إلى 3 ملايين طن شهرياً. وعلّقت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات النفط الروسي حتى 7 أبريل. غير أن ترامب كان قد وقّع قبل أسابيع قانوناً يجيز فرض جولة جديدة من العقوبات على الدول المستوردة للنفط والغاز الروسيين. ووقّع سبعة أعضاء من مجلس الشيوخ من الحزبين بياناً مشتركاً وصفوا فيه الاتفاق بأنه ينتهك القانون الأمريكي، ووصفه زيلينسكي بأنه "استثمار في حرب لا بدّ أن تنتهي".

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

أفادت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) بأنه في الوقت الذي وقّع فيه ترامب قبل أسابيع قانوناً يجيز فرض جولة جديدة من العقوبات الأمريكية والرسوم الجمركية على الدول المستوردة للنفط والغاز الروسيين، أبرم الرئيس الأمريكي في الوقت ذاته اتفاقاً لاستيراد كميات ضخمة من الديزل من روسيا، مما دفع سياسة الطاقة الأمريكية إلى موقف يتناقض مع نفسه.

أعلن ترامب يوم الجمعة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وافق على الإفراج الفوري عن 300 ألف طن من الديزل لصالح الأسواق الأمريكية والعالمية؛ وتسليم 500 ألف طن إضافية في نوفمبر؛ ثم توفير مليون طن آخر لاحقاً؛ وسيُضاف 3 ملايين طن إضافية على المدى القصير بحسب حالة المصافي الروسية (التي تعرّضت لضربات أوكرانية خلال الحرب الروسية-الأوكرانية). وكتب على منصته "تروث سوشيال": "خفض أسعار الوقود أمام الشعب الأمريكي، ولا سيما مزارعونا ورعاة ماشيتنا وسائقو شاحناتنا العظماء، هو أولويتي القصوى." وأكد نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك هذه الأرقام لوكالة "تاس"، وأشار إلى أن حجم الصادرات قد يصل إلى 3 ملايين طن شهرياً في المستقبل.

في إطار الاتفاق، علّقت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات تصدير الديزل الروسي حتى 7 أبريل، لكن الأصول الروسية في بنوك من بينها بنوك أمريكية لا تزال مجمّدة. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت لشبكة "فوكس نيوز" إن الاتفاق سيعمل من خلال القنوات القانونية القائمة لخفض الأسعار، واصفاً أي عضو في الكونغرس يدّعي أن هذا الاتفاق غير قانوني بأنه مخطئ.

أثار هذا الاتفاق ردود فعل سريعة في الكونغرس الأمريكي. فأصدر سبعة أعضاء بمجلس الشيوخ - أربعة جمهوريين هم سوزان كولينز، وليزا موركوفسكي، وتوم تيليس، وجون كيرتس، وثلاثة ديمقراطيين هم جيني شاهين، وريتشارد بلومنتال، ورون وايدن - بياناً مشتركاً يوم الأحد وصفوا فيه الاتفاق بأنه ينتهك القانون الأمريكي، وحثّوا ترامب على "تغيير مساره". وجاء في البيان: "لا ينبغي للولايات المتحدة أن تقدّم لبوتين شريان حياة مالياً في الوقت الذي يواصل فيه قتل المدنيين الأوكرانيين." وأشاروا إلى أن الكونغرس كان قد "حظر صراحةً استيراد الطاقة الروسية في عام 2022 لمنع أموال الأمريكيين من تغذية حرب بوتن الوحشية ضد أوكرانيا".

وصف الرئيس الأوكراني زيلينسكي الاتفاق بأنه هدية لبوتين، لا يتجاوز كونه "استثماراً في حرب يجب أن تنتهي". وكانت الانتقادات الدولية حادّة بالمثل، فقد أعلن كل من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ووزير الدفاع البريطاني ويس ستريتين معارضتهما الصريحة للاتفاق، مؤكدَين أنه يتعيّن على الولايات المتحدة وحلفاء أوكرانيا الآخرين التركيز على تكثيف الضغط على روسيا لإنهاء الحرب.

غير أن اتفاق ترامب لا يواجَه بالتساؤلات السياسية والقانونية فحسب. ووفقاً لمحللَين نقلت عنهم BBC، ثمة شكوك كبيرة بشأن ما إذا كانت روسيا قادرة على تسليم كميات الديزل المتعهد بها، وإلى أيّ مدى يمكن للاتفاق أن يخفّف الضغط عن المستهلك الأمريكي. يبلغ متوسط استهلاك الولايات المتحدة اليومي من الديزل نحو 3.6 مليون برميل، وحتى لو سلّمت روسيا الكمية المتعهد بها البالغة 300 ألف طن هذا الشهر، فإن ذلك لا يعادل سوى نحو نصف استهلاك الولايات المتحدة اليومي. ووفقاً لبيانات نادي السيارات الأمريكي، يبلغ متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة حالياً 6.28 دولار للجالون، وهو أقلّ من أعلى مستوى تاريخي بلغ 6.53 دولار سُجّل في أواخر سبتمبر، لكن أسعار الوقود العالمية ظلّت ترتفع بشكل مطرد منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير، وهو صراع تسبّب في اضطراب حاد في إمدادات النفط الخام.

تحوّل ارتفاع أسعار النفط إلى قضية سياسية داخلية مركزية في الولايات المتحدة. ولم يبقَ سوى أسابيع على انتخابات التجديد النصفي، وتُظهر استطلاعات الرأي أن غالبية الأمريكيين لا يوافقون على طريقة تعامل ترامب مع الاقتصاد ومع الحرب مع إيران، بينما يتعرّض الحزب الجمهوري لضغوط سياسية. وكان الأثر شديداً بوجه خاص في الولايات الزراعية، تلك المناطق التي تعتمد على الديزل لتشغيل الآلات الزراعية ونقل المنتجات الزراعية، وهو السبب الذي دفع ترامب إلى أن يخصّ المزارعين والرعاة وسائقي الشاحنات بالذكر في منشوره.

كما أعلن ترامب يوم الأحد عن توصّل روسيا وأوكرانيا إلى "وقف إطلاق نار للطاقة"، دون أن يكشف عن تفاصيل. ورحّب زيلينسكي بذلك، في حين لم تُبدِ موسكو ردّها حتى الآن. ويظل الغموض الأكبر الذي يكتنف صفقة الديزل متمثّلاً في أن تعليق وزارة الخزانة للعقوبات حتى 7 أبريل ليس سوى إجراء إداري مؤقت، فيما لا يزال الجدل حول المضيّ في تنفيذ الاتفاق وشرعيته التشريعية متواصلاً داخل الكونغرس الأمريكي وفي دوائر صنع السياسات.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.