السياسات والحوكمة

نظام المراقبة الجوية البريطاني يشل مرة أخرى: ثغرات الحوكمة في الشراكة بين القطاعين العام والخاص تجعل الركاب يدفعون ثمن الأعطال المتكررة

نقلت إذاعة "دويتشه فيله" أن مارتن رولف، الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات الوطنية لمراقبة الحركة الجوية البريطانية (NATS)، استبعد في التاسع من الشهر احتمال وقوع هجوم سيبراني، وأكد أن العطل نجم عن نظام معالجة الرحلات، مما أدى إلى إلغاء أو تأخير نحو ألفي رحلة خلال يومين تقريباً. أعلنت شركة "رايان إير" أن ما لا يقل عن 150 ألف راكب تعرضوا لتأخيرات استمرت ثماني ساعات. هذه هي المرة الثالثة التي يتعرض فيها نظام المراقبة الجوية البريطاني لعطل كبير منذ "انهيار النظام" في عام 2023، مما يكشف مجدداً عن أوجه الق

0 مشاهدةسجل الدخول للحفظ
TRUTH ERA

نقلت إذاعة "دويتشه فيله" أن مارتن رولف، الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات الوطنية لمراقبة الحركة الجوية البريطانية، أعلن لشبكة "بي بي سي" في التاسع من الشهر أنه قد تم استبعاد فرضية الهجوم السيبراني بشأن العطل في نظام مراقبة الحركة الجوية، وأن المشكلة تكمن في نظام معالجة الرحلات. ووعد بإجراء "تحقيق بالغ الشمول والعمق"، لكنه لم يأتِ على ذكر مستقبله الوظيفي.

بدأ هذا العطل صباح الثامن من الشهر واستمر لساعات عدة، مما تسبب في إلغاء أو تأخير نحو ألفي رحلة في المطارات البريطانية. ورغم أن الشركة الوطنية لمراقبة الحركة الجوية أعلنت حل المشكلة، فقد أُلغيت أكثر من 150 رحلة في التاسع من الشهر، واستمرت حالات التأخير طوال اليوم. وحذّر مطار لندن هيثرو من أن "بعض حالات التعطل قد تستمر، نظراً لحاجة شركات الطيران إلى إعادة جدولة الطائرات وأطقمها". ووصف المراسل الصحفي المتخصص في شؤون السفر سايمون كالدير النتائج لـ"سكاي نيوز" بأنها "ستكون كارثية"، إذ إن الطائرات التي لم تتمكن من الإقلاع ليلاً تعني إلغاء دفعة جديدة من الرحلات القادمة في صباح اليوم التالي.

في غضون ذلك، كتبت وزيرة النقل البريطانية هايدي ألكسندر على منصة التواصل الاجتماعي "إكس" في التاسع من الشهر أنها استدعت رولف لتقديم شرح أكثر تفصيلاً حول أسباب العطل، وقالت: "إنني أسعى للحصول على ضمانات بأن الدروس قد تم استخلاصها، وأن الأنظمة الداعمة لعمليات الطيران قادرة على أداء مهامها".

يُعد المسافرون العاديون المتضرر الأكثر مباشرة من هذا الفشل في الحوكمة. وكشفت شركة "رايان إير"، أكبر شركة طيران أوروبية، أن ما لا يقل عن 150 ألفاً من ركابها تعرضوا لتأخيرات استمرت ثماني ساعات، وأُلغيت 200 رحلة. وتطالب الشركة علناً باستقالة رولف للمرة الثانية. وأعرب رولف لـ"سكاي نيوز" عن قبوله "المسؤولية الكاملة"، لكنه أيضاً لم يوضح ما إذا كان سيتنحى.

ليست هذه السلسلة من الأعطال حدثاً معزولاً. وأوضحت "دويتشه فيله" أن نظام المراقبة الجوية البريطاني تعرض في أغسطس 2023 لـ"انهيار في النظام"، تسبب في خسائر لشركات الطيران بلغت 135 مليون دولار (نحو 116 مليون يورو)؛ وفي عام 2025، تأثرت عدة مطارات بمشكلات في رادار الطيران، بما في ذلك مطار هيثرو. والآن يُضاف عطل آخر، لتشير طبيعة الأعطال مجدداً إلى حلقة معالجة الرحلات باعتبارها العنصر الأساسي.

تُعد شركة NATS نفسها مزود خدمات المراقبة الجوية لـ15 مطاراً بريطانياً، وتعمل وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث تمتلك نسبة من أسهمها شركات طيران مثل الخطوط الجوية البريطانية وشركة "إيزي جيت"، وصناديق التقاعد، والحكومة البريطانية. يُشتت هذا الهيكل مصير البنية التحتية العامة بين عدة جهات خاصة ذات مصالح: فعندما تتعطل الأنظمة مراراً وتكراراً، يصبح تحديد المسؤولية حساباً معقداً — الرئيس التنفيذي يتعهد بتحمل المسؤولية لكنه يرفض التنحي، وشركات الطيران المشغلة تتحمل عبء أوجه القصور في البنية التحتية وتطالب باستقالة المسؤولين التنفيذيين، في حين لا تملك الحكومة سوى "السعي للحصول على ضمانات" قبل اكتمال التحقيق.

والجدير بالذكر أن تكلفة كل عطل كبير لا يتحملها مشغل المراقبة الجوية المتسبب في المشكلة، بل تُحَّمَل على المسافرين العاديين وشركات الطيران في شكل إلغاء رحلات وتأخيرات مطوّلة ورسوم تغيير الحجز وإلغاء الرحلات. وتمثل الـ150 ألف راكب متأثر و200 رحلة مُلغاة التي أعلنتها "رايان إير" الجزء القابل للقياس الكمي فقط من هذا الحادث؛ أما المسافرون في المطارات المحورية مثل هيثرو، الذين يواجهون تنبيهات بـ"التحقق من حالة الرحلة قبل المغادرة"، فهذا يعني أن عدداً لا يُحصى من الأشخاص اضطروا إلى قضاء يوم كامل في المطار، وخسروا ساعات عمل وأماكن إقامة ورحلات مخططاً لها.

أصبح تراخي سلسلة المساءلة أكثر وضوحاً في الأعطال المتكررة. فلم يتعهد رولف شخصياً بالاستقالة، كما لم يبدأ مجلس إدارة شركة NATS إجراءات الإقالة في ظل رفض رولف التنحي؛ ولا تستطيع وزيرة النقل إلا التدخل عبر "الاستدعاء" و"السعي للحصول على ضمانات"، فهي لا تملك سلطة اتخاذ القرارات التقنية، ولا تملك أدوات مباشرة للرقابة على الكوادر في كيانات الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

ويأتي تصريح رولف في التاسع من الشهر — "تحقيق بالغ الشمول والعمق" — مطابقاً تقريباً في مضمونه للتعهدات المماثلة التي قطعتها جميع الأطراف بعد أعطال عام 2023 و2025. وبالنسبة إلى 150 ألف راكب عالق وآخرين على وشك مواجهة هشاشة النظام مجدداً، فإن غياب آلية مساءلة قابلة للتنفيذ هو في حد ذاته جزء من العطل.

التعليقات

0

لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.