ولاية فيكتوريا تقدم عشرات الملايين من الدولارات الأسترالية كإعانة لكل مباراة في الـNFL: كيف تنقل عمالقة الرياضة الأمريكية تكاليف «العولمة» إلى الحكومات المحلية
تدفع حكومة ولاية فيكتوريا ما بين 10 و15 مليون دولار أسترالي عن كل مباراة في الموسم العادي لدوري كرة القدم الأمريكية (NFL)، على أمل استرداد جزء من التكلفة من عائدات السياحة. وقد تجاوز إجمالي إيرادات الـNFL في السنة المالية الماضية 23 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 26 ضعف إيرادات دوري كرة القدم الأسترالية (AFL). إن عملاقاً تجارياً أمريكياً تبلغ إيراداته السنوية عشرات المليارات من الدولارات يطلب من الحكومات المحلية تمويل توسعه العالمي من المال العام - وهذا الخلل في ميزان القوى في «الشراكة» بات نمط
تستعد ملبورن لاستضافة أول مباراة في الموسم العادي لدوري كرة القدم الأمريكية (NFL) في تاريخها، لكن الثمن الذي ستدفعه ثاني أكبر مدن أستراليا بات يثير تساؤلات حادة حول توزيع الأعباء المالية العامة والمصالح التجارية والثقافية.
وفقاً لما ذكرته صحيفة ذا إيج، تدفع حكومة ولاية فيكتوريا ما بين 10 و15 مليون دولار أسترالي (نحو 6.4 إلى 9.6 مليون دولار أمريكي) عن كل مباراة في الـNFL، على أمل استرداد جزء من التكلفة من عائدات السياحة. ويلتقي فريق لوس أنجلوس رامز مع فريق سان فرانسيسكو فورتي ناينرز في العاشر من سبتمبر/أيلول على ملعب ملبورن للكريكيت (MCG)، لتُفتتح بذلك منافسات موسم الـNFL 2026 - إذ ينظم الدوري هذا الموسم تسع مباريات في الموسم العادي خارج الولايات المتحدة عبر سبعة أسواق في أربع قارات: البرازيل وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة والمكسيك وإسبانيا وأستراليا.
وصف غيريت ماير (Gerrit Meier)، المدير التنفيذي لأعمال الـNFL الدولية، أستراليا بأنها «انتقلت من سوق ممتعة إلى سوق نمو استراتيجي»، وقال لشبكة ABC News Australia إن الدوري سيجلس «مع المنطقة والمدينة بأكملها بعد المباراة، ويسأل الجميع عن آرائهم - هل كانت ناجحة؟ هل تريدون أن نعود؟» لكن النقاد يشيرون إلى أن هذه المعادلة ليست متوازنة كما تبدو: فقد تجاوز إجمالي إيرادات الـNFL في السنة المالية الماضية 23 مليار دولار أمريكي (نحو 31.95 مليار دولار أسترالي)، أي ما يعادل نحو 26 ضعف إيرادات دوري كرة القدم الأسترالية (AFL) في الفترة نفسها. إن عملاقاً تجارياً أمريكياً تبلغ قيمته السوقية عشرات المليارات من الدولارات، ويظل منذ فترة طويلة في وضع البائع، يفرض رسوم دخول على الحكومة الولائية - وهذا في جوهره يجعل دافعي الضرائب يمولون توسعه العالمي.
يكمن التوتر الأعمق داخل الـNFL ذاته. إذ سيُكمل فريق فورتي ناينرز رحلتين دوليتين هذا الموسم - إلى ملبورن ومدينة المكسيك - بإجمالي مسافة تتجاوز 61 ألف كيلومتر، أي ما يعادل الدوران حول الأرض ونصف الدوران. في المقابل، لا تتجاوز مسافة سفر فريق كارولاينا بانثرز هذا الموسم 14 ألف كيلومتر. ولم يُخفِ كايل شاناهان (Kyle Shanahan)، مدرب فريق فورتي ناينرز، استياءه عند إعلان الجدول: «لا أرى أي فائدة. من الرائع أن يلعب الدوري في أنحاء العالم، وأعتقد أن ذلك رائع. لكنه ليس ذا فائدة كبيرة للفرق المشاركة.» وهذا يكشف البنية الحقيقية لهذه «العولمة»: يتحمل اللاعبون والفرق أعباء جسدية إضافية وظلماً تنافسياً، بينما يستفيد الدوري نفسه من القيمة التجارية طويلة الأمد ومن الامتيازات الخارجية المستقبلية.
أكد الـNFL إقامة 10 مباريات خارجية في موسم 2027، وأعلن أن هدفه هو رفع عدد المباريات الخارجية إلى 16 مباراة كحد أقصى. وأعلن روجر جوديل (Roger Goodell)، رئيس الـNFL، بشكل قاطع لقناتي RTL/ntv الألمانيتين الأسبوع الماضي: «سيأتي يوم تظهر فيه فرق الـNFL خارج الولايات المتحدة. لا أشك لحظة في أن هذا اليوم سيأتي.» وتعززت «التزامات» أستراليا بالتوازي: فقد افتتح الـNFL مكتبه الإقليمي لأستراليا ونيوزيلندا في سيدني عام 2022، وافتتح أكاديمية دولية في جولد كوست عام 2024 - وهي ثاني مؤسسة من نوعها يفتحها الـNFL خارج الأراضي الأمريكية. وأدرجت فرق لاس فيغاس رايدرز ولوس أنجلوس رامز وفيلادلفيا إيغلز وسياتل سي هوكس أستراليا كسوق خارجية رئيسية لكل منها. وقال ماير لوكالة رويترز: «بشكل عام، افتراض عملنا هو أننا بحاجة إلى الالتزام تجاه سوق معين. ونعتقد أنه في كل سوق نلتزم تجاهه، يجب أن تُقام مباراة واحدة على الأقل سنوياً. ومع مرور الوقت، ومع توافر موارد أكثر للمباريات، ربما تُقام مباراتان في كل موسم.»
غير أن إجمالي إعانات المباريات التي تقدمها حكومة ولاية فيكتوريا، والتزاماتها المالية طويلة الأمد، ونموذج عائدات السياحة المتوقع، لم يُكشف عنها حتى الآن، كما تفتقر التقييمات الاقتصادية للمدينة المضيفة والآثار المحتملة لإزاحة الخدمات العامة المحلية إلى تدقيق مستقل. ويُحمَّل دافعو الضرائب المحليون فاتورة لا يستطيعون مراجعتها. إن «الفتح العالمي» الذي ينهجه الـNFL ليس نتيجة تدفق ثقافي طبيعي، بل هو نظام تجاري شديد التمركز، يعتمد على هيمنته شبه الاحتكارية على سوق التلفزيون الأمريكي - ففي عام 2025، جاء 95 من أصل 100 من أكثر البرامج مشاهدة في البلاد في مجال الرياضة، وكان 83 منها مباريات في الـNFL - لينقل بشكل منهجي تكاليف توسع علامته التجارية إلى الحكومات المحلية المتعطشة للتعرض الدولي، بينما يحبس الغالبية العظمى من الأرباح في دفاتر الدوري عبر المحيط الأطلسي.
لا توجد تعليقات بعد. ابدأ النقاش.